مدارج السالكين

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر "على" في ذلك أيضًا؟ وكيف يكون المؤمن مستعليًا على الحقِّ وعلى الهدى؟

قلت: لما فيه من استعلائه وعلوِّه بالحقِّ والهدى، مع ثباته عليه، واستقامته عليه. فكان في الإتيان١ بأداة "على" ما يدلُّ على علوِّه وثباته واستقامته؛ فإنَّ طريقَ الحقِّ تأخذ عُلْوًا صاعدةً٢ إلى العليِّ الكبير، وطريقَ الضلال تأخذ سُفْلًا هاويةً في أسفل سافلين٣. وهذا بخلاف الضَّلال والرّيب، فإنّه يؤتى فيه بأداة "في" الدَّالَّة على انغماس صاحبه فيه، وانقماعه وتدسُّسه فيه، كقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠]. وتأمّل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]٤.

وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قولٌ ثالثٌ ــ وهو قول الكسائيِّ٥ ــ إنّه على التّهديد والوعيد، نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ

  1. (١) ش: "بالإتيان".
  2. (٢) في ع بعدها زيادة: "بصاحبها".
  3. (٣) ع: "هاوية بسالكها ... السافلين".
  4. (٤) العبارة السابقة "فإن طريق الحق تأخذ ... سافلين" جاءت في ع في هذا الموضع.
  5. (٥) "البسيط" للواحدي (١٢/ ٦٠٧)، "تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٢). وانظر: "معاني الفراء" (٢/ ٨٩).
25

رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] كما يقال: طريقك عليّ، وممرُّك عليّ، لمن تريد إعلامه بأنّه غير فائتٍ لك١، ولا معجزٍ. والسِّياق يأبى هذا، ولا يناسبه لمن تأمّله، فإنّه قال تعالى مجيبًا لإبليس لعنه الله [الذي قال]٢: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فإنّه لا سبيل لي إلى إغوائهم، ولا طريق لي عليهم. فقرَّر الله تعالى ذلك أتمَّ التّقرير، وأخبر أنّ الإخلاص صراطٌ عليه مستقيمٌ، فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصِّراط، لأنّه صراطٌ عليَّ. ولا سبيل لإبليس إلى أهل هذا الصِّراط، فإنّه محروسٌ محفوظٌ بالله، فلا يصل عدوُّ الله إلى أهله.

فليتأمّل العارف هذا الموضع حقّ التّأمُّل، ولينظر إلى هذا المعنى، ويوازن بينه وبين القولين الآخرين: أيُّهما أليق بالآيتين، وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال السّلف؟

وأمّا تشبيه الكسائيِّ له بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] فلا يخفى الفرق بينهما سياقًا ودلالةً، فتأمّله. ولا يقال في التّهديد: هذا طريقٌ٣ مستقيمٌ عليّ، لمن لا يسلكه، وليست سبيل المهدَّد مستقيمةً، فهو غير مهدَّدٍ بصراط الله المستقيم، وسبيلُه التي هو عليها ليست مستقيمةً على الله تعالى. فلا يستقيم هذا القول البتّة.

وأمّا قول من فسَّره بالوجوب، أي عليّ بيانُ استقامته والدِّلالة عليه؛

  1. (١) "لك" ساقط من ش.
  2. (٢) من طبعة الفقي.
  3. (٣) م، ش: "صراط".
26

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي