مدارج السالكين

الصّوت. فلقِّب بحاتمٍ الأصمِّ١. وهذا التّغافل هو نصف الفتوّة.

وأمّا نسيان الأذيّة فهو أنك تنسى أذيّةَ من نالك بأذًى، ليصفوَ قلبك له٢، ولا تستوحشَ منه.

قلت: وهنا نسيانٌ آخر أيضًا، وهو من الفتوّة، وهو نسيان إحسانك إلى من أحسنتَ إليه، حتّى كأنّه لم يصدُرْ منك. وهذا النِّسيان أكمل من الأوّل، وفيه قيل٣:

ينسى صنائعَه والله يُظهِرهاإنّ الجميلَ إذا أخفيتَه ظَهرَا

فصل

قال٤: (الدّرجة الثّانية: أن تُقرِّبَ من يُقصِيك، وتُكرمَ من يؤذيك، وتعتذرَ إلى من يَجني عليك، سماحةً لا كظمًا، ومُوادّةً لا مصابرةً).

هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها وأصعب، فإنّ الأولى تتضمّن ترْكَ المقابلة والتّغافل، وهذه تتضمّن الإحسانَ إلى من أساء إليك، ومعاملتَه بضدِّ ما عاملك به. فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خُطَّتينِ، فخُطَّتك:

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ١٣٦). وانظر: «تاريخ بغداد» (٨/ ٢٤٤)، و«المنتظم» (١١/ ٢٥٣).
  2. (٢) «له» ليست في ل.
  3. (٣) البيت لسهل بن هارون في «أدب الدنيا والدين» (ص ٣٢٧)، وبلا نسبة في «المحاسن والأضداد» (ص ٥٦)، و«المحاسن والمساوي» (ص ٢١٠)، و«غرر الخصائص الواضحة» (ص ٣٣٨).
  4. (٤) «المنازل» (ص ٤٨).
94

الإحسان، وخُطَّته: الإساءة. وفي مثلها قال القائل١:

إذا مرِضْنا أتيناكم نعودكُمُوتُذنِبون فنأتيكم ونَعتذرُ

ومن أراد فهْمَ هذه الدّرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النّبيِّ ﷺ مع النّاس، يجدها هذه بعينها. ولم يكن كمال هذه الدّرجة لأحدٍ سواه، ثمّ للورثة منها بحسب سهامهم من التَّرِكة. وما رأيت أحدًا قطُّ أجمعَ لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيميّة قدّس الله روحه، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: ودِدتُ أنِّي٢ لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه.

وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قطُّ، وكان يدعو لهم.

وجئتُ يومًا مبشِّرًا له بموتِ أكبرِ أعدائه وأشدِّهم عداوةً وأذًى له، فنهَرَني وتنكَّر لي واسترجع، ثمّ قام من فورِه إلى بيت أهله فعزّاهم، وقال: أنا لكم مكانه، ولا يكون لكم أمرٌ تحتاجون فيه إلى مساعدةٍ إلّا وساعدتُكم فيه. ونحو هذا الكلام. فَسُرُّوا به، ودَعَوا له، وعظّموا هذه الحالَ منه. فرحمه الله ورضي عنه.

وهذا مفهومٌ، إلّا الاعتذار إلى من يجني عليك، فإنّه٣ غير مفهومٍ في بادي الرّأي، إذ لم يصدر منك جنايةٌ توجب اعتذارًا، وغايتك: أنّك لم تؤاخذه، فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة.

  1. (١) البيت للمؤمّل بن أميل في «التمثيل والمحاضرة» (ص ٩٠)، و«المنتحل» (ص ٩٩)، و«خاص الخاص» (ص ١١٥)، و«نهاية الأرب» (٣/ ٩٢).
  2. (٢) ل: «أن».
  3. (٣) «مفهوم ... فإنه» ليست في ش، د.
95

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي