مدارج السالكين

الإحسان، وخُطَّته: الإساءة. وفي مثلها قال القائل١:

إذا مرِضْنا أتيناكم نعودكُمُوتُذنِبون فنأتيكم ونَعتذرُ

ومن أراد فهْمَ هذه الدّرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النّبيِّ ﷺ مع النّاس، يجدها هذه بعينها. ولم يكن كمال هذه الدّرجة لأحدٍ سواه، ثمّ للورثة منها بحسب سهامهم من التَّرِكة. وما رأيت أحدًا قطُّ أجمعَ لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيميّة قدّس الله روحه، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: ودِدتُ أنِّي٢ لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه.

وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قطُّ، وكان يدعو لهم.

وجئتُ يومًا مبشِّرًا له بموتِ أكبرِ أعدائه وأشدِّهم عداوةً وأذًى له، فنهَرَني وتنكَّر لي واسترجع، ثمّ قام من فورِه إلى بيت أهله فعزّاهم، وقال: أنا لكم مكانه، ولا يكون لكم أمرٌ تحتاجون فيه إلى مساعدةٍ إلّا وساعدتُكم فيه. ونحو هذا الكلام. فَسُرُّوا به، ودَعَوا له، وعظّموا هذه الحالَ منه. فرحمه الله ورضي عنه.

وهذا مفهومٌ، إلّا الاعتذار إلى من يجني عليك، فإنّه٣ غير مفهومٍ في بادي الرّأي، إذ لم يصدر منك جنايةٌ توجب اعتذارًا، وغايتك: أنّك لم تؤاخذه، فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة.

  1. (١) البيت للمؤمّل بن أميل في «التمثيل والمحاضرة» (ص ٩٠)، و«المنتحل» (ص ٩٩)، و«خاص الخاص» (ص ١١٥)، و«نهاية الأرب» (٣/ ٩٢).
  2. (٢) ل: «أن».
  3. (٣) «مفهوم ... فإنه» ليست في ش، د.
95

ومعنى هذا: أنّك تُنزل نفسَك منزلةَ الجاني لا المَجْنيِّ عليه، والجاني خليقٌ بالعذر.

والّذي يُشهِدك هذا المشهد: أن تعلم أنّه إنّما سلِّط عليك بذنبٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].

فإذا علمتَ أنّك بدأتَ بالجناية فانتقم الله منك على يده= كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار.

والّذي يُهوِّن عليك هذا كلّه: مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدِّمة، فعليك بها، فإنّ فيها كنوزَ المعرفة والبرِّ.

وقوله: (سماحةً لا كظمًا، وتوادًّا١ لا مصابرةً).

يعني: اجعلْ هذه المعاملة منك صادرةً عن سماحٍ، وطِيبةِ نفسٍ، وانشراح صدرٍ، لا عن كظمٍ وضيقٍ ومصابرةٍ، فإنّ ذلك دليلٌ على أنّ هذا ليس في خلقك، وإنّما هو تكلُّفٌ يُوشِك أن يزول ويظهر حكم الخلق فتفتضح، وليس المقصود إلّا إصلاح الباطن والسِّرِّ والقلب.

وهذا الذي قاله الشّيخ لا يمكن إلّا بعد العُبور على جِسر المصابرة والكظم، فحينئذٍ إذا تمكّن فيه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: أن لا تتعلَّق في السَّير بدليلٍ، ولا تشوبَ إجابتَك بعِوَضٍ، ولا تقفَ في شهودِك على رسمٍ).

  1. (١) الذي سبق (ص ٩٤): «وموادَّة».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٨).
96

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي