مدارج السالكين

ومعنى هذا: أنّك تُنزل نفسَك منزلةَ الجاني لا المَجْنيِّ عليه، والجاني خليقٌ بالعذر.

والّذي يُشهِدك هذا المشهد: أن تعلم أنّه إنّما سلِّط عليك بذنبٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].

فإذا علمتَ أنّك بدأتَ بالجناية فانتقم الله منك على يده= كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار.

والّذي يُهوِّن عليك هذا كلّه: مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدِّمة، فعليك بها، فإنّ فيها كنوزَ المعرفة والبرِّ.

وقوله: (سماحةً لا كظمًا، وتوادًّا١ لا مصابرةً).

يعني: اجعلْ هذه المعاملة منك صادرةً عن سماحٍ، وطِيبةِ نفسٍ، وانشراح صدرٍ، لا عن كظمٍ وضيقٍ ومصابرةٍ، فإنّ ذلك دليلٌ على أنّ هذا ليس في خلقك، وإنّما هو تكلُّفٌ يُوشِك أن يزول ويظهر حكم الخلق فتفتضح، وليس المقصود إلّا إصلاح الباطن والسِّرِّ والقلب.

وهذا الذي قاله الشّيخ لا يمكن إلّا بعد العُبور على جِسر المصابرة والكظم، فحينئذٍ إذا تمكّن فيه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: أن لا تتعلَّق في السَّير بدليلٍ، ولا تشوبَ إجابتَك بعِوَضٍ، ولا تقفَ في شهودِك على رسمٍ).

  1. (١) الذي سبق (ص ٩٤): «وموادَّة».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٨).
96

هذه ثلاثة أمورٍ اشتملت عليها هذه الدّرجة.

فأمّا عدم تعلُّقه في السّير بدليلٍ: فقد بيَّن مراده به في آخر الباب، إذ يقول١: (وفي علم الخصوص: من طلبَ نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحلّ له دعوى الفتوّة أبدًا).

وهذا موضعٌ عظيمٌ يحتاج إلى تبيينٍ وتقريرٍ.

والمراد: أنّ السّائر إلى الله يسير على قَدَم اليقين، وطريق البصيرة والمشاهدة. فوقوفُه مع دليلٍ دليلٌ على أنّه لم يَشُمَّ رائحةَ اليقين. والمراد بهذا: أنّ المعرفة عندهم ضروريّةٌ لا استدلاليّةٌ. وهذا هو الصّواب. ولهذا لم تَدْعُ٢ الرُّسل قطُّ الأممَ إلى الإقرار بالصّانع سبحانه، وإنّما دَعَوهم إلى عبادته وتوحيده، وخاطبوهم خطابَ من لا شبهةَ عنده قطُّ في الإقرار بالله تعالى، ولا هو محتاجٌ إلى الاستدلال عليه٣. ولهذا قالت لهم رسلهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١٠].

وكيف يصحُّ الاستدلال على مدلولٍ هو أظهرُ من دليله؟ حتّى قال بعضهم: كيف أطلب الدّليل على من هو دليلٌ على كلِّ شيءٍ؟ فتقيُّدُ السّائرِ بالدّليل وتوقُّفُه عليه دليلٌ على عدم يقينه، بل إنّما يتقيّد بالدّليل الموصِل له إلى المطلوب بعد معرفته به، فإنّه يحتاج بعد معرفته به إلى دليلٍ يُوصِله٤

  1. (١) المصدر نفسه (ص ٤٨).
  2. (٢) ش، د: «تدعو».
  3. (٣) «عليه» ليست في ش، د.
  4. (٤) د: «يوصل».
97

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي