مدارج السالكين

هذه ثلاثة أمورٍ اشتملت عليها هذه الدّرجة.

فأمّا عدم تعلُّقه في السّير بدليلٍ: فقد بيَّن مراده به في آخر الباب، إذ يقول١: (وفي علم الخصوص: من طلبَ نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحلّ له دعوى الفتوّة أبدًا).

وهذا موضعٌ عظيمٌ يحتاج إلى تبيينٍ وتقريرٍ.

والمراد: أنّ السّائر إلى الله يسير على قَدَم اليقين، وطريق البصيرة والمشاهدة. فوقوفُه مع دليلٍ دليلٌ على أنّه لم يَشُمَّ رائحةَ اليقين. والمراد بهذا: أنّ المعرفة عندهم ضروريّةٌ لا استدلاليّةٌ. وهذا هو الصّواب. ولهذا لم تَدْعُ٢ الرُّسل قطُّ الأممَ إلى الإقرار بالصّانع سبحانه، وإنّما دَعَوهم إلى عبادته وتوحيده، وخاطبوهم خطابَ من لا شبهةَ عنده قطُّ في الإقرار بالله تعالى، ولا هو محتاجٌ إلى الاستدلال عليه٣. ولهذا قالت لهم رسلهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١٠].

وكيف يصحُّ الاستدلال على مدلولٍ هو أظهرُ من دليله؟ حتّى قال بعضهم: كيف أطلب الدّليل على من هو دليلٌ على كلِّ شيءٍ؟ فتقيُّدُ السّائرِ بالدّليل وتوقُّفُه عليه دليلٌ على عدم يقينه، بل إنّما يتقيّد بالدّليل الموصِل له إلى المطلوب بعد معرفته به، فإنّه يحتاج بعد معرفته به إلى دليلٍ يُوصِله٤

  1. (١) المصدر نفسه (ص ٤٨).
  2. (٢) ش، د: «تدعو».
  3. (٣) «عليه» ليست في ش، د.
  4. (٤) د: «يوصل».
97

إليه، ويدلُّه على طريق الوصول إليه. وهذا الدّليل هو الرّسول ﷺ، فهو موقوفٌ عليه ويتقيّد به، لا يخطو خطوةً إلّا وراءه.

وأيضًا فإن القوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة، وهذا لا يمكن طلبه بالدّليل أصلًا. ولا يقال: ما الدّليل على حصول هذا؟ وإنّما يحصل بالسُّلوك في منازل السّير، وقَطْعِها منزلةً منزلةً حتّى يصلَ إلى المطلوب، فوصوله إليه بالسّير لا بالاستدلال. بخلاف وصول المستدلِّ، فإنّه إنّما يصل إلى العلم، ومطلوبُ القوم وراءه. والعلم منزلةٌ من منازلهم كما سيأتي ذكرها، ولهذا يسمُّون أصحاب الاستدلال: أصحابَ القال، وأصحاب الكشف: أصحاب الحال. والقوم عاملون على الكشف الذي يحصل بنور العيان، لا على العلم الذي يُنال بالاستدلال والبرهان.

وهذا موضع غلطٍ واشتباهٍ، فإنّ الدّليل في هذا المقام شرطٌ، وكذلك العلم. وهو بابٌ لا بدَّ من دخوله إلى المطلوب، ولا يُوصَل إلى المطلوب إلّا من بابه، كما قال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].

ثمّ إنّه يُخاف على من لم يقف مع١ الدّليل ما هو أعظم الأمور، وهو الانقطاع عن المطلوب بالكلِّيّة، والوصول إلى مجرّد الخيال والمحال. فمن خرج عن الدّليل ضلّ عن٢ سواء السّبيل.

فإن قيل: تعلُّقه في السير بالدّليل يُفرِّق عليه عزمَه وقلبه، فإنّ الدّليل يُفرِّق، والمدلول يجمِّع. فالسّالك يقصد الجمعيّة على المدلول، فما له

  1. (١) ل: «لا يقف على».
  2. (٢) «عن» ليست في ل.
98

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي