قيل: هذه هي البليّة التي لأجلها أعرض من أعرض من السّالكين عن العلم ونهى عنه، وجعله علّةً في الطّريق، ووقع هذا في زمان الشُّيوخ القدماء العارفين، فأنكروه غايةَ الإنكار، وتبرَّؤوا منه ومن قائله، وأوصَوا بالعلم، وأخبروا أنّ طريقَهم مقيّدةٌ بالعلم، لا يُفلِح فيها من لم يتقيَّدْ بالعلم١. والجنيد ﵀ كان من أشدِّ النّاس مبالغةً في الوصيّة بالعلم، وحثًّا لأصحابه عليه٢.
والتّفرُّق في الدّليل خيرٌ من الجمعيّة على الوهم والخيال، فإنّه لا يعرف كون الجمعيّة حقًّا إلّا بالدّليل والعلم، فالدّليل والعلم ضروريّان للصّادق، لا يستغني عنهما.
نعم، يقينُه٣ ونورُ بصيرته وكشفُه يُغنِيه عن كثيرٍ من الأدلّة التي يتكلّفها المتكلمون وأرباب القال، فإنّه مشغولٌ عنها بما هو أهمُّ منها، وهو الغاية المطلوبة.
مثاله: أنّ المتكلِّم يُفنِي زمانه في تقرير حدوث العالم وإثبات الصّانع، وذلك أمرٌ مفروغٌ منه عند السّالك الصّادق صاحب اليقين. فالّذي يطلبه هذا بالاستدلال ــ الذي هو عُرضة الشُّبَه والأسولة والإيرادات التي لا نهاية لها ــ هو كشفٌ ويقينٌ للسّالك، فتقيُّده في سلوكه بحال هذا المتكلِّم انقطاعٌ
(١) «لا يفلح ... بالعلم» ساقطة من ش، د.
(٢) انظر أقواله في «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٥).
(٣) ل: «بينته».
وخروجٌ عن الفتوّة.
وهذا حقٌّ لا ينازع فيه عارفٌ، فترى المتكلِّم يبحث في الزّمان والمكان، والجواهر والأعراض والأكوان، وهمّته مقصورةٌ عليها لا يعدوها ليصعدَ منها إلى المكوِّن. والسّالك قد جاوزها إلى جَمْع القلب على المكوِّن وعبوديّته بمقتضى أسمائه وصفاته، لا يلتفت إلى غيره، ولا يَشْغَل قلبَه بسواه.
فالمتكلِّم يستغرق١ في معرفة حقيقة الزّمان والمكان، والعارف قد شَحَّ بالزّمان أن يذهب ضائعًا في غير السّير إلى ربِّ الزّمان والمكان.
وبالجملة، فصاحب هذه الدّرجة لا يتعلّق في سيره بدليلٍ، ولا يمكنه السّيرُ إلّا خلفَ الدّليل، وكلاهما يجتمع في حقِّه. فهو لا يفتقر إلى دليلٍ على وجود المطلوب، ولا يستغني طرفةَ عينٍ عن دليلٍ يُوصِله إلى المطلوب. فسَيرُ الصّادق عن البصيرة واليقين والكشف، لا على النّظر والاستدلال.
وأمّا قوله: (ولا تشوب إجابتَك بعوضٍ).
أي تكون إجابتك لداعي الحقِّ خالصةً، إجابةَ محبّةٍ ورغبةٍ، وطلبٍ للمحبوب ذاته، غيرَ مَشُوبةٍ بطلب غيره من الحظوظ والأعواض، فإنّه متى حصل لك حصل لك كلُّ عوضٍ وكلُّ حظٍّ وكلُّ قسمٍ، كما في الأثر الإلهيِّ: «ابنَ آدم، اطلُبني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيءٍ، وإن فُتُّك فاتك كلُّ شيءٍ، وأنا أحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ»٢.
(١) ل: «مستغرق».
(٢) هو أثر إسرائيلي كما نصَّ عليه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٥٢). وأورده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٤٢٤)، و«الداء والدواء» (ص ٤٦٢)، و«طريق الهجرتين» (ص ٩٥، ٥٢٦).