مدارج السالكين

وخروجٌ عن الفتوّة.

وهذا حقٌّ لا ينازع فيه عارفٌ، فترى المتكلِّم يبحث في الزّمان والمكان، والجواهر والأعراض والأكوان، وهمّته مقصورةٌ عليها لا يعدوها ليصعدَ منها إلى المكوِّن. والسّالك قد جاوزها إلى جَمْع القلب على المكوِّن وعبوديّته بمقتضى أسمائه وصفاته، لا يلتفت إلى غيره، ولا يَشْغَل قلبَه بسواه.

فالمتكلِّم يستغرق١ في معرفة حقيقة الزّمان والمكان، والعارف قد شَحَّ بالزّمان أن يذهب ضائعًا في غير السّير إلى ربِّ الزّمان والمكان.

وبالجملة، فصاحب هذه الدّرجة لا يتعلّق في سيره بدليلٍ، ولا يمكنه السّيرُ إلّا خلفَ الدّليل، وكلاهما يجتمع في حقِّه. فهو لا يفتقر إلى دليلٍ على وجود المطلوب، ولا يستغني طرفةَ عينٍ عن دليلٍ يُوصِله إلى المطلوب. فسَيرُ الصّادق عن البصيرة واليقين والكشف، لا على النّظر والاستدلال.

وأمّا قوله: (ولا تشوب إجابتَك بعوضٍ).

أي تكون إجابتك لداعي الحقِّ خالصةً، إجابةَ محبّةٍ ورغبةٍ، وطلبٍ للمحبوب ذاته، غيرَ مَشُوبةٍ بطلب غيره من الحظوظ والأعواض، فإنّه متى حصل لك حصل لك كلُّ عوضٍ وكلُّ حظٍّ وكلُّ قسمٍ، كما في الأثر الإلهيِّ: «ابنَ آدم، اطلُبني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيءٍ، وإن فُتُّك فاتك كلُّ شيءٍ، وأنا أحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ»٢.

  1. (١) ل: «مستغرق».
  2. (٢) هو أثر إسرائيلي كما نصَّ عليه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٥٢). وأورده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٤٢٤)، و«الداء والدواء» (ص ٤٦٢)، و«طريق الهجرتين» (ص ٩٥، ٥٢٦).
100

فمن أعرض عن طلب ما سوى الله، ولم يشُبْ طلبه له بعوضٍ، بل كان حبًّا له وإرادةً خالصةً لوجهه= فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلِّها. فإنّه لمّا لم يجعلها غايةَ طلبه، توفّرتْ عليه في حصولها، وهو محمودٌ مشكورٌ مقرَّبٌ. ولو كانت هي مطلوبةً لنقصتْ عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرّبِّ تعالى لذاته وإرادته.

فهذا قلبه ممتلئٌ بها، والحاصل له منها نزرٌ يسيرٌ. والعارف ليس قلبه متعلِّقًا بها، وقد حصلتْ له كلُّها. فالزُّهد فيها لا يُفِيتُكها، بل هو عين حصولها. والزُّهد في الله هو الذي يُفِيتكه ويُفِيتُك الحظوظَ. وإذا كان لك أربعة عبيدٍ: أحدهم يريدك ولا يريد منك، بل إرادته مقصورةٌ عليك وعلى مرضاتك. والثّاني يريد منك ولا يريدك، بل إرادته مقصورةٌ على حظوظه منك. والثّالث يريدك ويريد منك. والرّابع لا يريدك ولا يريد منك، بل هو متعلِّق القلب ببعض عبيدك، فله يريد، ومنه يريد. فإنّ آثَرَ العبيدِ عندك، وأحبَّهم إليك، وأقربَهم منك منزلةً، والمخصوصَ من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيدُ الثّلاثة= هو الأوّل. وهكذا نحن عند الله سواء.

وأمّا قوله: (ولا تَقِفُ في شهودِك على رَسْمٍ).

أي: لا يكون منك نظرٌ إلى السِّوى عند الشُّهود، كما تقدّم مرارًا.

وهذا عند القوم غير مكتسَبٍ، فإنّ الشُّهود إذا صحّ محا الرُّسومَ ضرورةً في نظر الشّاهد، فلا حاجةَ إلى أن يشرط عليه عدم الوقوف عليها. والشُّهود

101

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي