الصّحيح ماحٍ لها بالذّات، لكنّ أوّله قد لا يستغني عن الكسب، ونهايته لا تقف على كسبٍ.
قال١: (واعلم أنّ مَن أحوجَ عدوَّه٢ إلى شفاعةٍ، ولم يخجلْ من المعذرة إليه: لم يَشُمَّ رائحةَ الفتوّة).
يعني: أنّ العدوّ متّى علم أنّك متألِّمٌ من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى أن يعتذر إليك، ويشفع إليك شافعٌ يُزيل ما في قلبك منه. فالفتوّة كلُّ الفتوّة: أن لا تُحوِجه إلى الشّفاعة، بأن لا يظهر له منك عَتْبٌ ولا تغيُّرٌ عمّا كان له منك قبل معاداته، ولا تَطوِي عنه بِشْرَك ولا بِرَّك، وإذا لم تخجلْ أنت من قيامه بين يديك مقامَ المعتذر لم يكن لك في الفتوّة نصيبٌ.
ولا تستعظمْ هذا الخُلق، فإنّ في الفتيان ما هو أكبر٣ منه. ولا تستصعِبْه، فإنّه موجودٌ في كثيرٍ من الشُّطّار والعُشَراء الذين ليس لهم في حال المعرفة ولا في لسانها نصيبٌ، فأنت أيُّها العارف أولى به.
قال٤: (وفي علم الخصوص: من طلبَ نور الحقيقة على قَدَمِ الاستدلال لم يَحِلَّ له دعوى الفتوّة أبدًا).
كأنّه يقول: إذا لم تُحوِج عدوّك إلى العذر والشّفاعة، ولم تُكلِّفْه طلبَ الاستدلال على صحّة عذره، فكيف تُحوِج وليَّك وحبيبَك إلى أن يُقِيم لك
(١) «المنازل» (ص ٤٨).
(٢) ش، د: «عدوك».
(٣) ش، د: «أكثر».
(٤) «المنازل» (ص ٤٨).
الدّليلَ على التّوحيد والمعرفة، ولا تسير إليه حتّى يقيم لك دليلًا على وجوده ووحدانيّته وقدرته ومشيئته؟ فأين هذا من درجة الفتوّة؟ وهل هذا إلّا خلاف الفتوّة من كلِّ وجهٍ؟
ولو أنّ رجلًا دعاك إلى داره، فقلت للرّسول: لا آتي معك حتّى تقيم لي الدّليلَ على وجود من أرسلك، وأنّه مُطاعٌ، وأنّه أهلٌ أن يُغشى بابه= لكنتَ في دعوى الفتوّة زنيمًا. فكيف بمن وجوده ووحدانيّته وقدرته١ وربوبيّته وإلهيّته أظهر من كلِّ دليلٍ تطلبه؟ فما من دليلٍ تَستدلُّ به إلّا ووحدانيّة الله وكماله أظهر منه، فإقرار الفِطَر بالرّبِّ سبحانه خالق العالم: لم يُوقِفها عليه مُوقِفٌ، ولم تَحتَجْ فيه إلى نظرٍ واستدلالٍ، ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾[إبراهيم: ١٠]. فأبعدُ النّاس من٢ درجة الفتوّة طالب الدّليل على ذلك.
وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌإذا احتاج النهارُ إلى دليلِ٣