وكثيرٌ من النّاس١ يتعلّم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها. رُئي عند بعض الأكابر مملوكٌ سيِّئ الخلق فظٌّ٢ غليظٌ لا يناسبه، فسُئل عن ذلك، فقال: أدرسُ عليه مكارمَ الأخلاق.
وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق من ضدِّ أخلاقه، ويكون بتمرين النّفس على مصاحبته ومعاشرته والصّبرِ عليه.
الدّرجة الثّالثة: المروءة مع الحقِّ سبحانه، بالاستحياء من نظرِه إليك، واطِّلاعِه عليك في كلِّ لحظةٍ ونفسٍ، وبإصلاح عيوب نفسك جهدَ الإمكان، فإنّه قد اشتراها منك، وأنت سَاعٍ في تسليم المبيع وتقاضي الثّمن، وليس من المروءة: تسليمه على ما فيه من العيوب وتقاضي الثّمنِ كاملًا، ورؤيتِك٣ شهودَ مننِه في هذا الإصلاح، وأنّه هو المتولِّي له لا أنت؛ فيُفْنِيك٤ الحياء منه عن رسوم الطّبيعة، والاشتغالُ بإصلاح عيوب نفسك عن التفاتك إلى عيب غيرك، وشهودُ الحقيقة عن رؤية فعلك وإصلاحك.
وكلُّ ما تقدّم في منزلة الخُلق والفُتوّة فإنّه بعينه في هذه المنزلة، فلذلك اقتصرنا منها على هذا القدر. وصاحب «المنازل» ﵀ استغنى عنها بما ذكره في الفتوّة. والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) ل: «الخلق».
(٢) ل: «فض».
(٣) ل: «ورؤية». وسياق الكلام: «المروءة مع الحق بالاستحياءِ ... وبإصلاح عيوب نفسك ... ورؤيتك ...»
(٤) ل: «فيقيمك».
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة البسطة١، والتّخلِّي عن القبض٢.
وهي منزلةٌ شريفةٌ لطيفةٌ، وهي صِوانٌ٣ على الحال، وداعيةٌ لمحبّة الخلق.
وقد غلِطَ صاحب «المنازل» ﵀ حيث صدّرها بقوله تعالى حكايةً عن كليمه موسى ﵇ أنه قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾[الأعراف: ١٥٥]. وكأنّه فهمَ من هذا الخطاب: انبساطٌ٤ بين موسى وبين الله تعالى حَمَلَه على أن قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾.
وسمعت بعض الصُّوفيّة يقول لآخر وهما في الطّواف: لمّا قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ تداركَ هذا الانبساطَ بالتّذلُّل والتملُّق بقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾[الأعراف: ١٥٥]، أو نحو هذا من الكلام.
وكلُّ هذا وهمٌ وفهمٌ خلاف المقصود، فالفتنة هاهنا: هي الامتحان
(١) في «المنازل»: «الانبساط».
(٢) هذه المنزلة بتمامها ساقطة من طبعة دار الصميعي، وهي مثبتة في الأصول وطبعة الفقي.
(٣) في الأصول: «صنوان»، وهو تحريف. والمعنى أنها تصون الحال. وسيأتي في الكتاب (٤/ ٤٤): «فأدبهم صِوانٌ على أحوالهم».
(٤) كذا في ش، ل. وأصلحه في د فجعله: «أن الانبساط».