(وتَدَعُهم يَطَؤونك)، أي يدوسونك من لينك وتواضعك، وخَفْضِ١ جناحك، بحيث لا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم أن يحترموك لأجلها. هذا معنى كلامه.
قوله: (والعلم قائمٌ، وشهود المعنى دائمٌ).
أمّا قيام العلم: فهو أن يكون هذا الاسترسال موافقًا للشّرع، غيرَ مُخرِجٍ عن حدوده وآدابه، بحيث لا يحملهم على تعدِّي حدود الله، وتضييع حقِّه وحقوقِ عباده.
وأمّا دوام شهود المعنى: فهو حفظُ حالك وقلبك مع الله، ودوامُ إقبالك عليه بقلبك كلِّه. فأنت معهم مسترسلٌ بشَبَحِك ورسمك وصورتك فقط، ومُفارِقهم بقلبك وسرِّك، مشاهدًا٢ للمعنى الذي به حياتك. فإذا فارقتَه كنت كالحوت إذا فارق الماء، فإنّ هذا المعنى هو حياة القلب والرُّوح، فإذا فات٣ العبدَ عَلَتْه الكآبة، وغَمَرَه الهمُّ والغمُّ والأحزان، وتَلوَّن٤ في أفعاله وأقواله، وتاه قلبه في الأودية والشِّعاب، وفقدَ نعيمَ الدُّنيا والآخرة. وهذا هو الذي أشار إليه يحيى الصَّرصريُّ في قوله٥:
إذا صار قلبُ العبدِ للسِّرِّ مَعدِنَاتَلُوحُ على أعطافِه بهجةُ السَّنا
وإن فاتَه المعنى عَلَتْه كآبةٌفأصبحَ في أفعاله متلوِّنا
(١) ل: «حفظ»، تحريف.
(٢) ل: «مشاهد».
(٣) ل: «بات».
(٤) ل: «ويلون».
(٥) «ذيل مرآة الزمان» (١/ ٣٢٣).
فمتى كان شهود هذا المعنى قائمًا في قلبك لم يضرَّك مخالطةُ من لا يسلُبك إيّاه مخالطتُه ولا الانبساطُ إليه.
فصل
قال١: (الدّرجة الثّانية: الانبساط مع الحقِّ. وهو أن لا يَحبِسك٢ خوفٌ، ولا يَحجُبك رجاءٌ، ولا يحول بينك وبينه آدم وحوّاء).
يريد: أن لا يمنعك عن الانبساط إليه خوفٌ، فإنّ مقام الخوف لا يُجامِع مقامَ الانبساط. والخوف من أحكام اسم «القابض»، والانبساط من أحكام اسم «الباسط».
والبسط عندهم: من مشاهدة أوصاف الجمال والإحسان والتّودُّد والرّحمة.
والقبض من مشاهدة أوصاف٣ الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام.
وبعضهم يجعل الخوف من منازل العامّة، والانبساط من منازل الخاصّة، إذ الانبساط لا يكون إلّا للعارفين أرباب التّجلِّيات، وليس في حقِّ هؤلاء٤ خوفٌ.
(١) «المنازل» (ص ٤٩).
(٢) في «المنازل»: «لا يجنبك». والمثبت موافق لما في شرح التلمساني.
(٣) «الجمال ... أوصاف» ساقطة من ش، د بسبب انتقال النظر.