مدارج السالكين

فالمعنى صحيحٌ، لكن في كونه هو المراد بالآية نظرٌ، لأنّه حذفٌ في غير موضع الدِّلالة، ولم يؤلَف الحذف المذكور ليكون مدلولًا عليه إذا حُذِف، بخلاف حذف عامل الظّرف إذا وقع صفةً فإنّه حذفٌ مألوفٌ معروفٌ، حتّى إنّه لا يذكر البتّة. فإذا قلت: له درهمٌ عليّ، كان الحذف معروفًا مألوفًا. فلو أردت: عليَّ نقدُه، أو عليَّ وزنه وحفظه ونحو ذلك، وحذفتَ= لم يسُغْ. وهو نظير: عليَّ بيانُه المقدَّر في الآية، مع أنّ الذي قاله السّلف أليق بالسِّياق وأجلُّ المعنيين وأكبرهما.

وسمعت شيخ الإسلام تقيّ الدِّين ابن تيميّة ﵁ يقول: وهما نظير قوله ﵎: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا﴾ [الليل: ١٢] قال: فهذه ثلاثة مواضع في القرآن في هذا المعنى.

قلت: وأكثر المفسِّرين لم يذكروا في سورة (واللّيل إذا يغشى) إلّا معنى الوجوب، أي علينا بيان الهدى من الضّلال. ومنهم من لم يذكر في سورة النّحل إلّا هذا المعنى كالبغويِّ، وذكَر في الحِجْر الأقوال الثّلاثة١. وذكر الواحديُّ في "بسيطه"٢ المعنيين في سورة النّحل. واختيار٣ شيخنا قول مجاهدٍ والحسن في السُّور الثّلاث٤.

  1. (١) "تفسير البغوي" (٥/ ١١، ٤/ ٣٨٢).
  2. (٢) (١٣/ ٢٤).
  3. (٣) ش: "واختار".
  4. (٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٢١٢) والمؤلف في هذا الفصل صادر عن كلام شيخه. وانظر: "شفاء العليل" (ص ٨٧)، و"التبيان" (ص ١٠٤ - ١٠٦)، و"بدائع الفوائد" (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
27

فصل

والصِّراط المستقيم هو صراط الله. وهو يخبر أنّ الصِّراط عليه سبحانه كما ذكرنا، ويخبر أنّه سبحانه على الصِّراط المستقيم. وهذا في موضعين١ من القرآن: في هودٍ، والنّحل. قال في هودٍ: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٦﴾. وقال في النّحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ﴾.

فهذا مثلٌ ضربه الله تعالى للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كَلٌّ على عابدها٢. يحتاج الصَّنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه٣ ويقيمه ويخدمه. فكيف يسوُّونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتّوحيد؟ وهو قادرٌ، متكلِّمٌ، غنيٌّ، وهو على صراطٍ مستقيمٍ في قوله وفعله. فقوله صدقٌ ورشدٌ ونصحٌ وهدًى، وفعله حكمةٌ وعدلٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ. هذا أصحُّ الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثيرٌ من المفسِّرين غيره. ومن ذكر غيره قدَّمه على الأقوال، ثمّ حكاها بعده كما فعل البغويُّ ﵀، فإنّه جزم به، وجعله تفسير الآية، ثمّ قال: وقال الكلبيُّ: يدلُّكم على صراطٍ مستقيمٍ٤.

  1. (١) ش: "الموضعين".
  2. (٢) ش: "عابديها".
  3. (٣) ش: "يطعمه".
  4. (٤) "تفسير البغوي" (٥/ ٣٣).
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي