مدارج السالكين

وأمّا قوله: (ولا يحجبك رجاءٌ)؛ فلأنّ الرّاجي لطلبِه حاجتَه يحتاج إلى التّملُّق والتّذلُّل، فيحجُبه رجاؤه وطمعه فيما يناله من المعظَّم عن انبساطه معه، كالسّائل للغنيِّ، فإنّ سؤاله وطمعه يمنعه من انبساطه إليه. فإذا غاب عن ذلك انبسط.

وقوله: (ولا يحولُ بينك وبينه آدم ولا حوّاء) استعارةٌ.

والمعنى: أنّك تراه أقربَ إليك من أبيك وأمِّك، وأرحمَ بك منهما، وأشفقَ عليك. فلا تُوسِّطْ بينك وبينه أبًا خرجتَ من صلبه، ولا أمًّا ركَضْتَ في رحمها.

وفيه معنًى آخر، وهو الإشارة إلى أنّك تُشاهد خَلْقه لك بلا واسطةٍ، كما خلق آدم وحوّاء. فتشاهد خَلْقَه لك بيده، ونَفْخَه فيك من روحه، وإسجادَ ملائكته لك، ومعاداةَ إبليس حيث لم يسجد لك، وأنت في صلب أبيك آدم.

وهذا يوجب لك شهودُه من (الانبساط في الانطواء عن الانبساط، وهو رحب الهمّة لانطواء انبساط العبد في بسط الحقِّ ﷻ)١.

ومعنى هذا: أن لا يرى العبد لنفسه انبساطًا ولا انقباضًا، بل ينطوي انبساطُه ويضمحلُّ في صفة البسط التي للحقِّ ﷻ. وهذا شهود معنى اسمه «الباسط» ﷿.

فهذا تقرير كلامه، على أنّ فيه مقبول ومردود٢، ولا معنى لتعلُّق

  1. (١) ما بين القوسين الدرجة الثالثة كما في «المنازل» (ص ٤٩).
  2. (٢) كذا في الأصول مرفوعين، والوجه النصب.
113

هذه الصِّفة بالرّبِّ تعالى البتّة، وأمّا تعلُّقها بالخَلق فصحيحٌ.

نعم، هاهنا مقام اشتباهٍ وفرقٍ، وهو أنّ المحبّ الصّادق لا بدَّ أن يقارِنَه أحيانًا فرحٌ بمحبوبه، ويشتدّ فرحُه به، ويرى مواقعَ لطفِه به، وبرِّه به، وإحسانِه إليه، وحُسن دفاعه عنه، والتّلطُّف في إيصال المنافع والمَسَارّ والمَبَارّ إليه بكلِّ طريقٍ، ودَفْع المضارِّ والمكاره عنه بكلِّ طريقٍ. وكلّما فتّش على ذلك اطّلع منه على أمورٍ عجيبةٍ، لا يقفُ وهمه وتفتيشُه١ لها على غايةٍ، بل ما خفي عنه منها أعظم. فيداخلُه من شهود هذه الحالة نوعُ إدلالٍ وانبساطٍ، وشهود نفسه في منزلة المراد المحبوب. ولا يَسلَم من آفة ذلك إلّا خواصُّ العارفين.

وصاحب هذا المقام نهايتُه أن يكون معذورًا، وما يبدو منه من أحكامه بالشَّطحات أليقُ منه بأحكام العبوديّة.

ولم يكن لأحدٍ من البشر في منزلة القرب والكرامة والحظوة والجاه ما لرسول الله ﷺ من ربِّه، فكان أشدَّ الخلق لله خشيةً وتعظيمًا وإجلالًا، وحالُه كلُّها مع الله تشهد بتكميل العبوديّة. وأين درجة الانبساط من المخلوق من التُّراب، إلى الانبساط مع ربِّ الأرباب؟

نعم لا يُنكِر فرحةَ القلب بالرّبِّ تعالى وسرورَه به، وابتهاجَه به، وقرّةَ عينه ونعيمه بحبِّه، والشّوقَ إليه: إلّا كثيفُ الحجاب، حَجَريُّ الطِّباع. فلا بهذا المَيَعان٢، ولا بذاك الجمود والقسوة.

  1. (١) ل: «ومقتبسه».
  2. (٢) لم أجد هذا المصدر في المعاجم، والفعل ماعَ، أي ذاب وسال.
114

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي