مدارج السالكين

هذه الصِّفة بالرّبِّ تعالى البتّة، وأمّا تعلُّقها بالخَلق فصحيحٌ.

نعم، هاهنا مقام اشتباهٍ وفرقٍ، وهو أنّ المحبّ الصّادق لا بدَّ أن يقارِنَه أحيانًا فرحٌ بمحبوبه، ويشتدّ فرحُه به، ويرى مواقعَ لطفِه به، وبرِّه به، وإحسانِه إليه، وحُسن دفاعه عنه، والتّلطُّف في إيصال المنافع والمَسَارّ والمَبَارّ إليه بكلِّ طريقٍ، ودَفْع المضارِّ والمكاره عنه بكلِّ طريقٍ. وكلّما فتّش على ذلك اطّلع منه على أمورٍ عجيبةٍ، لا يقفُ وهمه وتفتيشُه١ لها على غايةٍ، بل ما خفي عنه منها أعظم. فيداخلُه من شهود هذه الحالة نوعُ إدلالٍ وانبساطٍ، وشهود نفسه في منزلة المراد المحبوب. ولا يَسلَم من آفة ذلك إلّا خواصُّ العارفين.

وصاحب هذا المقام نهايتُه أن يكون معذورًا، وما يبدو منه من أحكامه بالشَّطحات أليقُ منه بأحكام العبوديّة.

ولم يكن لأحدٍ من البشر في منزلة القرب والكرامة والحظوة والجاه ما لرسول الله ﷺ من ربِّه، فكان أشدَّ الخلق لله خشيةً وتعظيمًا وإجلالًا، وحالُه كلُّها مع الله تشهد بتكميل العبوديّة. وأين درجة الانبساط من المخلوق من التُّراب، إلى الانبساط مع ربِّ الأرباب؟

نعم لا يُنكِر فرحةَ القلب بالرّبِّ تعالى وسرورَه به، وابتهاجَه به، وقرّةَ عينه ونعيمه بحبِّه، والشّوقَ إليه: إلّا كثيفُ الحجاب، حَجَريُّ الطِّباع. فلا بهذا المَيَعان٢، ولا بذاك الجمود والقسوة.

  1. (١) ل: «ومقتبسه».
  2. (٢) لم أجد هذا المصدر في المعاجم، والفعل ماعَ، أي ذاب وسال.
114

وبهذا ومثلِه طرَّقَ المتأخِّرون من القوم السّبيلَ إليهم، وفتحوا للقَالةِ١ فيهم بابًا، فالعبد الخائف الوجِل٢ المشفق الذّليل بين يدي ربه، المنكِّس الرّأسِ بين يديه، الذي لا يرضى لربِّه بشيء من عمله: هو أحوجُ شيءٍ إلى عفوه ورحمته، ولا يرى نفسَه في نعمته إلّا طُفيليًّا، ولا يرى نفسه محسنًا قطُّ، وإن صدرَ منه إحسانٌ علم أنّه ليس من نفسه، ولا بها ولا فيها، وإنّما هو محضُ منّةِ الله عليه، وصدقتِه عليه. فما لهذا والانبساط؟

نعم، انبساطُه فرحٌ وسرورٌ ورضًا وابتهاجٌ. فإن كان المراد بالانبساط هذا فلا نُنكِره، لكنّه غيرُ الاسترسالِ المذكور، والاستشهادُ عليه بالآية يُبيِّن مراده. والله أعلم.

  1. (١) جمع قائل. والقالة أيضًا: اسم للقول الفاشي في الناس، خيرًا كان أو شرًّا. وفي ش: «للمقالة».
  2. (٢) «الوجل» ليست في ل.
115

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي