مدارج السالكين

وبهذا ومثلِه طرَّقَ المتأخِّرون من القوم السّبيلَ إليهم، وفتحوا للقَالةِ١ فيهم بابًا، فالعبد الخائف الوجِل٢ المشفق الذّليل بين يدي ربه، المنكِّس الرّأسِ بين يديه، الذي لا يرضى لربِّه بشيء من عمله: هو أحوجُ شيءٍ إلى عفوه ورحمته، ولا يرى نفسَه في نعمته إلّا طُفيليًّا، ولا يرى نفسه محسنًا قطُّ، وإن صدرَ منه إحسانٌ علم أنّه ليس من نفسه، ولا بها ولا فيها، وإنّما هو محضُ منّةِ الله عليه، وصدقتِه عليه. فما لهذا والانبساط؟

نعم، انبساطُه فرحٌ وسرورٌ ورضًا وابتهاجٌ. فإن كان المراد بالانبساط هذا فلا نُنكِره، لكنّه غيرُ الاسترسالِ المذكور، والاستشهادُ عليه بالآية يُبيِّن مراده. والله أعلم.

  1. (١) جمع قائل. والقالة أيضًا: اسم للقول الفاشي في الناس، خيرًا كان أو شرًّا. وفي ش: «للمقالة».
  2. (٢) «الوجل» ليست في ل.
115

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة العَزْم، وقد ذكرنا في أوّل الكتاب١ أنّه نوعان:

أحدهما: عزم المريد على الدُّخول في الطّريق، وهو بدايةٌ٢.

والثّاني: عزم السّالك. وهو مقامٌ ذكره صاحب «المنازل» في وسط كتابه في قسم الأصول، فقال٣: (هو تحقيق القصد طوعًا أو كَرهًا).

أمّا قوله: (تحقيق القصد) فهو أن يكون قصده محقّقًا، لا يَشُوبه شيءٌ من التّردُّد.

وأمّا تقسيمه هذا التّحقيق إلى طوعٍ وكَرهٍ فصحيحٌ، فإنّ المختار: تحقيقُ قصدِه طوعًا، وأمّا المُكْرَه٤: فتحقيقُ قصدِه كَرهًا، فإنّه إذا أكره على فعلٍ، وعزم عليه: قد حقّق قصده كرهًا لا طوعًا.

واختلف الفقهاء والأصوليُّون في المكره: هل يسمّى مختارًا أم لا؟٥.

  1. (١) (١/ ٢٠٤).
  2. (٢) ل: «بذاته»، تصحيف.
  3. (٣) (ص ٥١).
  4. (٤) ل: «الكره».
  5. (٥) انظر: «المستصفى» (١/ ٧٨، ٨٣) ط. الرسالة، و«الأشباه والنظائر» للسيوطي (ص ٢٠٣)، و«الضروري في أصول الفقه» لابن رشد (ص ٥٤)، و«المبسوط» للسرخسي (٢٤/ ٢٨)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ١٢٣)، و«نهاية المطلب» (١٦/ ١٢٦) و«مجموع الفتاوى» (٨/ ٥٠٢).
116

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي