مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة العَزْم، وقد ذكرنا في أوّل الكتاب١ أنّه نوعان:

أحدهما: عزم المريد على الدُّخول في الطّريق، وهو بدايةٌ٢.

والثّاني: عزم السّالك. وهو مقامٌ ذكره صاحب «المنازل» في وسط كتابه في قسم الأصول، فقال٣: (هو تحقيق القصد طوعًا أو كَرهًا).

أمّا قوله: (تحقيق القصد) فهو أن يكون قصده محقّقًا، لا يَشُوبه شيءٌ من التّردُّد.

وأمّا تقسيمه هذا التّحقيق إلى طوعٍ وكَرهٍ فصحيحٌ، فإنّ المختار: تحقيقُ قصدِه طوعًا، وأمّا المُكْرَه٤: فتحقيقُ قصدِه كَرهًا، فإنّه إذا أكره على فعلٍ، وعزم عليه: قد حقّق قصده كرهًا لا طوعًا.

واختلف الفقهاء والأصوليُّون في المكره: هل يسمّى مختارًا أم لا؟٥.

  1. (١) (١/ ٢٠٤).
  2. (٢) ل: «بذاته»، تصحيف.
  3. (٣) (ص ٥١).
  4. (٤) ل: «الكره».
  5. (٥) انظر: «المستصفى» (١/ ٧٨، ٨٣) ط. الرسالة، و«الأشباه والنظائر» للسيوطي (ص ٢٠٣)، و«الضروري في أصول الفقه» لابن رشد (ص ٥٤)، و«المبسوط» للسرخسي (٢٤/ ٢٨)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ١٢٣)، و«نهاية المطلب» (١٦/ ١٢٦) و«مجموع الفتاوى» (٨/ ٥٠٢).
116

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: والتّحقيق أنّه محمولٌ على الاختيار، فله اختيارٌ في الفعل، وبه صحّ وقوعه، فإنّه لولا إرادته واختياره لما وقع الفعل. ولكنّه محمولٌ على هذه الإرادة والاختيار؛ ليست من قِبَلِه، فهو مختارٌ باعتبار أنّ حقيقة الإرادة والاختيار منه، وغير مختارٍ باعتبار أنّ غيره حملَه على الاختيار، ولم يكن مختارًا من نفسه. هذا معنى كلامه.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: إِباءُ الحال على العلم، لشَيْمِ برقِ الكشف، واستدامةِ نور الأنس، والإجابةِ لإماتة الهوى).

يريد بـ (إباء الحال على العلم): استعصاءَه عليه، وأنّ صاحب الحال يأبى عليه حالُه أن يَنزِل منه إلى درجة العلم، ويصعب عليه ذلك كلّ الصُّعوبة. وهو انحطاطٌ في رتبته.

ولا يريد امتناع الحال عن طاعة العلم وتحكيمه، فإنّ هذا انحلالٌ وانسلاخٌ من الطّريق بالكلِّيّة. فكلُّ حالٍ لا يُطيع العلمَ ولا يُحكِّمه فهو حالٌ فاسدٌ مُبعِدٌ عن الله، لكن من وصل إلى حال العلم لم يُجِبْه حالُه أن يَنزِل إلى درجة العلم، وينحطَّ إليها بلا حالٍ.

فإن كان مراده هذا المعنى فهو صحيحٌ. وإن كان مراده امتناع الحال عن طاعة العلم، لأنّ العلم يدعو إلى أحكام الغيبة والحجاب، والحال يدعو إلى

  1. (١) «المنازل» (ص ٥١).
117

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي