مدارج السالكين

أنس الكشف والحضور، فصاحب الحال لا يلتفت إلى العلم١ = فباطلٌ. فإنّ العلم شرطٌ في الحال يستحيل معرفة صحّته بدون العلم.

نعم، لا ننكِر حصوله بدون العلم، لكنّ صاحبه على غير بصيرةٍ ولا وثوقٍ به.

و(شَيْمُ بَرقِ الكشف) هو النّظر إليه على بعدٍ، فإنّ صاحب الحال عاملٌ على شَيْم برق الكشف، لأنّ شَيْم برق الكشف يوجب نورًا يأنس به القلب، فعزيمة صاحبه على استدامته وحفظه.

وأمّا (الإجابة لإماتة الهوى)، فهو أنّ السّالك إذا أشرفَ على الكشف أحسّ بحالةٍ شبيهةٍ بالموت، حتّى إنّ منهم من يسقط إلى الأرض ويظنُّ ذلك موتًا. وهذه الحال من مبادئ الفناء، فتهوى نفسُه العودَ إلى الحجاب خوفًا من الانعدام، لما جُبِلتْ عليه النّفس البشريّة من كراهة الموت. فإذا حصل العزم أُمِيتَ هذا الهوى، ولم يلتفت إليه، رغبةً فيما يطلبه من الفناء في الفردانيّة، فإنّ الحقيقة لا تبدُو إلّا بعد فناء البشريّة.

وهذا الذي قاله حقٌّ، لا يُنكِره إلّا من لم يذُقْه. وإنّما الكلام في مرتبته، وأنّه غايةٌ أو توسُّطٌ، أو لازمٌ أو عارضٌ؟

فشيخنا ﵀ كان يرى أنّه عارضٌ من عوارض الطّريق لا يَعرِض للكُمَّل، ومن السّالكين من لم يَعرِض له البتّةَ.

ومن النّاس من يراه لازمًا للطّريق لا بدَّ منه.

  1. (١) ل: «إلا للعلم».
118

ومن النّاس من يراه غايةً لا شيء فوقه.

ومنهم من يراه توسُّطًا، وفوقَه ما هو أجلُّ منه وأرفع، وهو حالة البقاء.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: الاستغراقُ في لوائح المشاهدة، واستنارةُ ضياءِ الطّريق، واستجماعُ قوى الاستقامة).

هذه ثلاثة أشياء:

أحدها: فقدان الإحساس بغير٢ شهودِه، لاستغراقه في مشاهدته.

الثّاني: استنارة ضياء الطّريق، يعني ظهور الجادّة له ووضوحها، واتِّصالها بمطلوبه. وهذا كمن هو سائرٌ إلى مدينةٍ، فإذا شارفها ورآها رأى الطّريقَ حينئذٍ واضحةً إليها، واستنار له ضياؤها واتِّصالها بالمدينة، وكان قبل مشاهدة المدينة على علمٍ أو ظنٍّ يجوز معه أن يضيع عن باب المدينة، وأمّا الآن فقد أمِنَ من٣ أن يضيع عن الباب. وكذلك هذا السّالك: قد انقطعت عنه الموانع، واستبان له الطّريق، وأيقنَ بالوصول، وصارت حالُه حالَ معاينِ باب المدينة من حينِ يقع بصره عليه، وكحال معاينِ الشّفق الأحمر قربَ طلوع الشّمس، حيث يتيقَّن أنّ الشّمس بعده.

قوله: (واستجماع قوى الاستقامة)، يعني: يستجمع له قوى الظّاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه، لمشاهدته ما هو سائرٌ إليه. وهكذا

  1. (١) «المنازل» (ص ٥١).
  2. (٢) ش، د: «يعني»، تحريف.
  3. (٣) «من» ليست في ل.
119

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي