مدارج السالكين

كما يُنازع القدر بالقدر.

وأمّا (الخلاص من تكاليف ترك العزم)، فهو أنّه إذا تخلّص من هذا العزم وتركَه بقيتْ عليه بقيّةٌ، وهي رؤيته أنّه قد ترك. فعليه التّخلُّص من رؤية هذا التّرك، فهو يطلب الآن الخلاصَ من رؤية ترك العزم، كما كان يطلب ترك العزم.

قوله: (فإنّ العزائم لم تُورِث أربابَها ميراثًا أكرمَ من وقوفهم على عللِ العزائم).

مدار علل العزائم على ثلاثة أشياء:

أحدها: فتورها وضعفها.

الثّاني: عدم تجرُّدها من الأغراض وشوائبِ الحظوظ.

الثّالث: رؤية العزائم وشهودها، ونسبتها إلى أنفسهم.

فإذا عرف هذه الثّلاثة عرف علل العزائم. والله المستعان.

121

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإرادة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩].

وقد أشكل على المتكلِّمين تعلُّق الإرادة بالله تعالى، وكونُ وجهه تعالى مرادًا. وقالوا: الإرادة لا تتعلّق إلّا بالحادث، وأمّا بالقديم فلا؛ لأنّ القديم لا يراد. وأوّلوا الإرادة المتعلِّقة به بإرادة التّقرُّب إليه. ثمّ إنّه لا يُتصوّر عندهم التّقرُّب إليه، فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه.

هذا حاصل ما عندهم. وحجابهم في هذا الباب غليظٌ كثيفٌ من أغلظ الحُجُب وأكثفِها، ولهذا تجدهم أهل قَسْوةٍ، ولا تجد عليهم روحَ السُّلوك ولا بهجةَ المحبّة.

والطّلب والإرادة عند أرباب السُّلوك: هي التّجرُّد عن الإرادة، فلا تصحُّ عندهم الإرادة إلّا لمن لا إرادةَ له. ولا تظنَّ هذا تناقضًا، بل هو محض الحقِّ. واتِّفاقُ كلمة القوم عليه.

وقد تنوّعت عبارات القوم عنها. وغالبهم يخبر عنها بأنّها ترك العادة١.

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٦).
122

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي