وأمّا (الخلاص من تكاليف ترك العزم)، فهو أنّه إذا تخلّص من هذا العزم وتركَه بقيتْ عليه بقيّةٌ، وهي رؤيته أنّه قد ترك. فعليه التّخلُّص من رؤية هذا التّرك، فهو يطلب الآن الخلاصَ من رؤية ترك العزم، كما كان يطلب ترك العزم.
قوله: (فإنّ العزائم لم تُورِث أربابَها ميراثًا أكرمَ من وقوفهم على عللِ العزائم).
مدار علل العزائم على ثلاثة أشياء:
أحدها: فتورها وضعفها.
الثّاني: عدم تجرُّدها من الأغراض وشوائبِ الحظوظ.
الثّالث: رؤية العزائم وشهودها، ونسبتها إلى أنفسهم.
فإذا عرف هذه الثّلاثة عرف علل العزائم. والله المستعان.
وقد أشكل على المتكلِّمين تعلُّق الإرادة بالله تعالى، وكونُ وجهه تعالى مرادًا. وقالوا: الإرادة لا تتعلّق إلّا بالحادث، وأمّا بالقديم فلا؛ لأنّ القديم لا يراد. وأوّلوا الإرادة المتعلِّقة به بإرادة التّقرُّب إليه. ثمّ إنّه لا يُتصوّر عندهم التّقرُّب إليه، فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه.
هذا حاصل ما عندهم. وحجابهم في هذا الباب غليظٌ كثيفٌ من أغلظ الحُجُب وأكثفِها، ولهذا تجدهم أهل قَسْوةٍ، ولا تجد عليهم روحَ السُّلوك ولا بهجةَ المحبّة.
والطّلب والإرادة عند أرباب السُّلوك: هي التّجرُّد عن الإرادة، فلا تصحُّ عندهم الإرادة إلّا لمن لا إرادةَ له. ولا تظنَّ هذا تناقضًا، بل هو محض الحقِّ. واتِّفاقُ كلمة القوم عليه.
وقد تنوّعت عبارات القوم عنها. وغالبهم يخبر عنها بأنّها ترك العادة١.