والصِّراط المستقيم هو صراط الله. وهو يخبر أنّ الصِّراط عليه سبحانه كما ذكرنا، ويخبر أنّه سبحانه على الصِّراط المستقيم. وهذا في موضعين١ من القرآن: في هودٍ، والنّحل. قال في هودٍ: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٦﴾. وقال في النّحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ﴾.
فهذا مثلٌ ضربه الله تعالى للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كَلٌّ على عابدها٢. يحتاج الصَّنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه٣ ويقيمه ويخدمه. فكيف يسوُّونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتّوحيد؟ وهو قادرٌ، متكلِّمٌ، غنيٌّ، وهو على صراطٍ مستقيمٍ في قوله وفعله. فقوله صدقٌ ورشدٌ ونصحٌ وهدًى، وفعله حكمةٌ وعدلٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ. هذا أصحُّ الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثيرٌ من المفسِّرين غيره. ومن ذكر غيره قدَّمه على الأقوال، ثمّ حكاها بعده كما فعل البغويُّ ﵀، فإنّه جزم به، وجعله تفسير الآية، ثمّ قال: وقال الكلبيُّ: يدلُّكم على صراطٍ مستقيمٍ٤.
(١) ش: "الموضعين".
(٢) ش: "عابديها".
(٣) ش: "يطعمه".
(٤) "تفسير البغوي" (٥/ ٣٣).
قلت: ودلالته لنا على الصِّراط المستقيم هي من موجَبِ كونه ﷾ على الصِّراط المستقيم، فإنّ دلالته بفعله وقوله، وهو على الصِّراط المستقيم في أفعاله وأقواله. فلا يناقض قول من قال: إنّه سبحانه على الصِّراط المستقيم.
قال١: وقيل: هو رسول الله ﷺ بما٢ يأمر بالعدل، وهو على صراطٍ مستقيمٍ.
قلت: وهذا قولٌّ لا يناقض القول الأوّل، فالله على الصِّراط المستقيم، ورسولُه عليه فإنّه لا يأمر ولا يفعل إلّا مقتضاه٣ وموجبه. وعلى هذا يكون المثل مضروبًا لإمام الكفّار وهاديهم٤، وهو الصّنم الذي هو أبكم، لا يقدر على هدًى ولا خيرٍ؛ ولإمام الأبرار، وهو رسول الله ﷺ الذي يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيمٍ. وعلى القول الأوّل، يكون مضروبًا لمعبود الكفّار ومعبود الأبرار. والقولان متلازمان، فبعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا، وكلاهما مرادٌ من الآية.
قال٥: وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر، يرويه عطيّة عن ابن عبّاسٍ. وقال عطاءٌ: الأبكم: أبيُّ بن خلفٍ، ومن يأمر بالعدل: حمزة وعثمان بن