مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإرادة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩].

وقد أشكل على المتكلِّمين تعلُّق الإرادة بالله تعالى، وكونُ وجهه تعالى مرادًا. وقالوا: الإرادة لا تتعلّق إلّا بالحادث، وأمّا بالقديم فلا؛ لأنّ القديم لا يراد. وأوّلوا الإرادة المتعلِّقة به بإرادة التّقرُّب إليه. ثمّ إنّه لا يُتصوّر عندهم التّقرُّب إليه، فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه.

هذا حاصل ما عندهم. وحجابهم في هذا الباب غليظٌ كثيفٌ من أغلظ الحُجُب وأكثفِها، ولهذا تجدهم أهل قَسْوةٍ، ولا تجد عليهم روحَ السُّلوك ولا بهجةَ المحبّة.

والطّلب والإرادة عند أرباب السُّلوك: هي التّجرُّد عن الإرادة، فلا تصحُّ عندهم الإرادة إلّا لمن لا إرادةَ له. ولا تظنَّ هذا تناقضًا، بل هو محض الحقِّ. واتِّفاقُ كلمة القوم عليه.

وقد تنوّعت عبارات القوم عنها. وغالبهم يخبر عنها بأنّها ترك العادة١.

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٦).
122

ومعنى هذا: أنّ عادة النّاس غالبًا التّعريجُ على أوطان الغفلة، وإجابةُ داعي الشّهوة، والإخلاد إلى أرض الطّبيعة. والمريد منسلخٌ عن ذلك. فصار خروجه عنه أمارةً ودلالةً على صحّة الإرادة، فسمِّي انسلاخه وتركه١ إرادةً.

وقيل: نهوض القلب في طلب الحقِّ٢.

ويقال: لوعةٌ تُهوِّن كلَّ روعةٍ٣.

وقال الدّقّاق ﵀: الإرادة لَوعةٌ في الفؤاد، لَدْغةٌ٤ في القلب، غرامٌ في الضّمير، انزعاجٌ في الباطن، نيرانٌ تأجّج في القلوب٥.

وقيل: من صفات المريدين٦: التّحبُّب إلى الله بالنّوافل، والإخلاص في نصيحة الأمّة، والأُنس بالخلوة، والصّبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمره، والحياء من نظره، وبذْل المجهود في محبوبه، والتّعرُّض لكلِّ سببٍ يُوصِل٧ إليه، والقناعة بالخمول، وعدم قرار القلب حتّى يصل إلى وليِّه ومعبوده٨.

  1. (١) ش، د: «وترك» وعليها علامة اللحق، وليس في هامشها شيء.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٦).
  3. (٣) المصدر نفسه (ص ٤٦٦).
  4. (٤) ل: «لذعة».
  5. (٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٧).
  6. (٦) ل: «صفات الترتيب».
  7. (٧) ل: «بوصله».
  8. (٨) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٧، ٤٦٨).
123

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي