ومعنى هذا: أنّ عادة النّاس غالبًا التّعريجُ على أوطان الغفلة، وإجابةُ داعي الشّهوة، والإخلاد إلى أرض الطّبيعة. والمريد منسلخٌ عن ذلك. فصار خروجه عنه أمارةً ودلالةً على صحّة الإرادة، فسمِّي انسلاخه وتركه١ إرادةً.
وقيل: نهوض القلب في طلب الحقِّ٢.
ويقال: لوعةٌ تُهوِّن كلَّ روعةٍ٣.
وقال الدّقّاق ﵀: الإرادة لَوعةٌ في الفؤاد، لَدْغةٌ٤ في القلب، غرامٌ في الضّمير، انزعاجٌ في الباطن، نيرانٌ تأجّج في القلوب٥.
وقيل: من صفات المريدين٦: التّحبُّب إلى الله بالنّوافل، والإخلاص في نصيحة الأمّة، والأُنس بالخلوة، والصّبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمره، والحياء من نظره، وبذْل المجهود في محبوبه، والتّعرُّض لكلِّ سببٍ يُوصِل٧ إليه، والقناعة بالخمول، وعدم قرار القلب حتّى يصل إلى وليِّه ومعبوده٨.
(١) ش، د: «وترك» وعليها علامة اللحق، وليس في هامشها شيء.
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٦).
(٣) المصدر نفسه (ص ٤٦٦).
(٤) ل: «لذعة».
(٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٧).
(٦) ل: «صفات الترتيب».
(٧) ل: «بوصله».
(٨) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٧، ٤٦٨).
وقال حاتمٌ الأصمُّ ﵀: إذا رأيتَ المريد يريد غير مراده، فاعلم أنّه أظهرَ نَذالتَه١.
وقيل٢: من حكم المريد: أن يكون نومُه غلبةً، وأكلُه فاقةً، وكلامه ضرورةً٣.
وقال بعضهم: نهاية الإرادة: أن تشير إلى الله فتجده مع الإشارة. فقيل له: وأين تستوعبه الإرادة؟ فقال: أن تجد الله بلا إشارةٍ٤.
وهذا كلامٌ متينٌ، فإنّ المراتب ثلاثةٌ:
أعلاها: أن يكون واجدًا لله في كلِّ وقتٍ، لا يتوقّف وجوده له على إشارة منه ولا من غيره.
الثّاني: أن يكون له ملكةٌ وحالٌ وإرادةٌ تامّةٌ، بحيث متى أُشير له إلى الله وجده عند إشارة المشير.
الثّالث: أن لا يكون كذلك، ويتكلّف وجدانَه عند الإشارة إليه.
فالمرتبة الأولى للمقرّبين السّابقين، والوسطى للأبرار المقتصدين، والثّالثة للغافلين٥.