وقال أبو عثمان الحِيريُّ ﵀١: من لم تصحّ إرادته ابتداءً، فإنّه لا يزيده مرورُ الأيّام عليه إلّا إدبارًا٢.
وقال: المريد إذا سمع شيئًا من علوم القوم فعملَ به: صار حكمةً في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به، وإذا تكلّم انتفع به من سمعه. ومن سمع شيئًا من علومهم ولم يعمل به كان حكايةً يحفظها أيامًا ثمّ ينساها٣.
وقال الواسطيُّ ﵀: أوّل مقام المريد: إرادةُ الحقِّ بإسقاط إرادته٤.
وقال يحيى بن معاذٍ ﵁: أشدُّ شيءٍ على المريدين: معاشرة الأضداد٥.
وسئل الجنيد ﵁: ما٦ للمريد حظٌّ في مجاراة الحكايات؟ فقال: الحكايات٧ جندٌ من جند الله يُثبِّت الله بها قلوب المريدين. ثمّ قرأ قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾[هود: ١٢٠]٨.
وقد ذُكِر عن الجنيد ﵀ كلمتان في الإرادة مجملتان تحتاج إلى
(١) ل: «الحريري»، تحريف.
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٨).
(٣) المصدر نفسه (ص ٤٦٩).
(٤) المصدر نفسه (ص ٤٦٩).
(٥) المصدر نفسه (ص ٤٦٩).
(٦) «ما» ليست في ش، د.
(٧) «فقال الحكايات» ليست في ش، د.
(٨) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٩). وهو في «اللمع» (ص ٢٠٥، ٢٠٦).
تفسيرٍ، الكلمة الواحدة: قال أبو عبد الرّحمن السُّلميُّ١: سمعت محمّد بن مخلدٍ يقول: سمعت جعفرًا يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: المريد الصّادق غنيٌّ عن علم العلماء٢.
وقال جعفر أيضًا: سمعت الجنيد يقول: إذا أراد الله بالمريد خيرًا أوقعَه إلى الصُّوفيّة، ومنعَه صحبةَ القُرّاء٣.
قلت: إذا صدق المريد، وصحّ عقدُ صدقِه مع الله، فتح الله على قلبه ببركة الصِّدق، وحسنِ المعاملة مع الله: ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار النّاس وآرائهم، وعن العلوم التي هي فضلةٌ ليست من زاد القبر، وعن كثيرٍ من إشارات الصُّوفيّة وعلومهم التي أفْنَوا فيها أعمارهم: من معرفة النّفس وآفاتها وعيوبها، ومعرفة مفسِدات الأعمال وأحكام السُّلوك، حتى٤ كان حال سلوكه٥ وصدقه وصحّة طلبه: يُرِيه ذلك كلّه بالفعل.
ومثال ذلك: رجلٌ قاعدٌ في البلد يَدْأَب ليلَه ونهاره في علم منازل الطّريق وعَقَباتها وأوديتها، ومواضع المتاهات فيها، والموارد والمفاوز. وآخرُ حمله الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطّريقَ وسار فيها، فصدقُه يُغنِيه عن علم ذلك القاعد، ويريه إيّاه في سلوكه عيانًا.
وأمّا أن يُغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام، وأحكامِ الأمر