تفسيرٍ، الكلمة الواحدة: قال أبو عبد الرّحمن السُّلميُّ١: سمعت محمّد بن مخلدٍ يقول: سمعت جعفرًا يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: المريد الصّادق غنيٌّ عن علم العلماء٢.
وقال جعفر أيضًا: سمعت الجنيد يقول: إذا أراد الله بالمريد خيرًا أوقعَه إلى الصُّوفيّة، ومنعَه صحبةَ القُرّاء٣.
قلت: إذا صدق المريد، وصحّ عقدُ صدقِه مع الله، فتح الله على قلبه ببركة الصِّدق، وحسنِ المعاملة مع الله: ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار النّاس وآرائهم، وعن العلوم التي هي فضلةٌ ليست من زاد القبر، وعن كثيرٍ من إشارات الصُّوفيّة وعلومهم التي أفْنَوا فيها أعمارهم: من معرفة النّفس وآفاتها وعيوبها، ومعرفة مفسِدات الأعمال وأحكام السُّلوك، حتى٤ كان حال سلوكه٥ وصدقه وصحّة طلبه: يُرِيه ذلك كلّه بالفعل.
ومثال ذلك: رجلٌ قاعدٌ في البلد يَدْأَب ليلَه ونهاره في علم منازل الطّريق وعَقَباتها وأوديتها، ومواضع المتاهات فيها، والموارد والمفاوز. وآخرُ حمله الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطّريقَ وسار فيها، فصدقُه يُغنِيه عن علم ذلك القاعد، ويريه إيّاه في سلوكه عيانًا.
وأمّا أن يُغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام، وأحكامِ الأمر
(١) بعدها في ش، د: «يقول».
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٦٩).
(٣) المصدر نفسه (ص ٤٦٨).
(٤) «حتى» ليست في ش، د.
(٥) «سلوكه» ليست في ش، د.
والنّهي، ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها، وعن علم أحكام الله ورسوله على ظاهره وباطنه= فقد أعاذ الله مَن هو دون الجنيد من ذلك، فضلًا عن سيِّد الطّائفة وإمامها، وإنّما يقول ذلك قُطّاع الطّريق، وزنادقة الصُّوفيّة وملاحدتُهم، الذين لا يرون اتِّباع الرّسول شرطًا في الطّريق.
وأيضًا فإنّ المريد الصّادق يفتح الله على قلبه، ويُنوِّره بنورٍ من عنده، مضافٍ إلى ما معه من نور العلم، يعرف به كثيرًا من أمر دينه، فيستغني به عن كثيرٍ من علم النّاس. فإنّ العلم نورٌ، وقلبُ الصّادق١ ممتلئٌ بنور الصِّدق، ومعه نور الإيمان، والنُّور يهدي إلى النُّور. والجنيد ﵀ أخبر بهذا عن حاله، وهذا أمرٌ جزئيٌّ ليس على عمومه، بل صدقُه يُغنيه عن كثيرٍ من العلم. وأمّا عن جملة العلم: فكلام أبي القاسم الثّابت عنه في ضرورة الصّادق إلى العلم، وأنّه لا يُفلح من لم يكن له علمٌ، وأنّ طريق القوم مقيّدةٌ بالعلم، وأنّه لا يحلُّ لأحدٍ أن يتكلّم في الطّريق إلّا بالعلم٢ = مشهورٌ٣ معروفٌ قد ذكرنا فيما مضى طرفًا منه، كقوله: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأنّ علمنا مقيّدٌ بالكتاب والسُّنّة٤.
وأيضًا فإنّ علم العلماء الذين أشار إليهم هو ما فهموه واستنبطوه من القرآن والسُّنّة. والمريد الصّادق هو الذي قرأ القرآن وحفظ السُّنّة، والله يرزقه ببركة صدقه ونور قلبه فهمًا في كتابه وسنّة رسوله يُغنيه عن تقليد فهمِ غيره.
(١) ل: «صادق».
(٢) ل: «بعلم».
(٣) خبر لـ «كلام».
(٤) «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٥). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٥٥).