مدارج السالكين

وأمّا قوله: إذا أراد الله بالمريد خيرًا أوقعَه على الصُّوفيّة، ومنعَه صحبةَ القُرّاء.

فالقرّاء في لسانهم: هم أهل التّنسُّك والتّعبُّد، سواءٌ كانوا يقرؤون القرآن أم لا، فالقارئ عندهم هو الكثير التّعبد والتّنسُّك، الذي قد قصرَ همّتَه على ظاهر العبادة، دونَ أرواح المعارف وذوق حقائق الإيمان وروح١ المحبّة وأعمال القلوب، فهِمَمُهم كلُّها إلى العبادة، ولا خبر٢ عندهم ممّا عند أهل التّصوُّف وأرباب القلوب وأهل المعارف. ولهذا قال من قال: طريقنا تَفَتٍّ لا تَقَرٍّ٣.

فسَيرُ هؤلاء بالقلوب والأرواح، وسيرُ أولئك مجرّد الأشباح والقوالب، وبين أرواح هؤلاء وقلوبهم وأرواح هؤلاء وقلوبهم٤: نوعُ تناكرٍ وتنافرٍ، ولا يقدر أحدهم على صحبة٥ النّوع الآخر إلّا على نوع إغضاءٍ وتحميلٍ للطّبيعة ما تأباه. وهو من جنس ما بينهم وبين ظاهريّة الفقهاء من التّنافر، ويسمُّونهم أصحاب الرُّسوم، ويسمُّون أولئك القرّاء. والطّائفتان عندهم أهل ظواهرٍ، لا

  1. (١) د: «ورفع».
  2. (٢) ل: «خير».
  3. (٣) لم أجد هذا القول فيما بين يديّ من المصادر. و«تَفَتٍّ» مصدر تَفَتَّى أي اتخذ سبيل الفتوة، و«تَقَرٍّ» مصدر تَقَرَّأ أي تنسَّك وتفقَّه، وأصله تقرُّؤٌ، حصل فيه ما حصل في تَوَضِّي وتَجزِّي، وأصلهما: تَوضُّؤ وتَجزُّؤ.
  4. (٤) «وأرواح هؤلاء وقلوبهم» ليست في ش، د.
  5. (٥) د: «صحته».
128

أرباب حقائق. هؤلاء مع رسوم العلم، وهؤلاء مع رسوم١ العبادة.

ثمّ إنّهم في أنفسهم فريقان: صوفيّةٌ وفقراء، وهم متنازعون في ترجيح الصوفيّ على الفقير أو بالعكس أو هما سواءٌ، على ثلاثة أقوالٍ:

فطائفةٌ رجّحت الصُّوفيّ، منهم كثيرٌ من أهل العراق. على هذا صاحب «العوارف»٢، وجعلوا نهايةَ الفقير بداية الصُّوفيِّ٣.

وطائفةٌ رجّحت الفقير، وجعلوا الفقر لُبَّ٤ التّصوُّف وثمرته. وهم كثيرٌ من أهل خراسان.

وطائفةٌ ثالثةٌ قالوا: الفقر والتّصوُّف شيءٌ واحدٌ. وهؤلاء هم أهل الشّام.

ولا يستقيم الحكم بين هؤلاء حتّى يتبيّن حقيقة الفقر والتّصوُّف، وحينئذٍ يُعلَم هل هما حقيقةٌ واحدةٌ أو حقيقتان؟ ويُعلَم راجحهما من مرجوحهما.

وسترى ذلك مبيّنًا إن شاء الله في منزلتي «الفقر والتّصوُّف» إذا٥ انتهينا إليهما، إن ساعدَ الله ومنَّ بفضله وتوفيقه. فلا حول ولا قوّة إلّا بالله، وبه٦

  1. (١) «العلم ... مع رسوم» ساقطة من ش، د.
  2. (٢) أي شهاب الدين السهروردي صاحب «عوارف المعارف».
  3. (٣) قال في «عوارف المعارف» (ص ٦٣): الفقر أساس التصوف، وبه قوامه، على معنى أن الوصول إلى رتب التصوف طريقه الفقر.
  4. (٤) ل: «أب»، تحريف.
  5. (٥) ل: «إن».
  6. (٦) ل: «والله».
129

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي