مدارج السالكين

المستعان، وعليه التُّكلان، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

والمقصود: أنّ المراتب عندهم ثلاثةٌ:

مرتبة التّقوى، وهي مرتبة التّعبد١ والتّنسُّك.

ومرتّبة التّصوُّف، وهي مرتبة التّفتِّي بكلِّ خلقٍ حسنٍ، والخروجِ من كلِّ ذميمٍ.

ومرتبة الفقر، وهي مرتبة التّجرُّد، وقطعِ كلُّ علاقةٍ تحول بين القلب وبين الله تعالى.

فهذه مراتب طلّاب الآخرة. ومَن عداهم فمع القاعدين المتخلِّفين.

فأشار أبو القاسم الجنيد ﵀ أنّ المريد لله٢ بصدقٍ إذا أراد الله به خيرًا: أوقعه على طائفة الصُّوفيّة، يُهذِّبون أخلاقه، ويدلُّونه على تزكية نفسه، وإزالة أخلاقها الذّميمة، والاستبدالِ بالأخلاق الحميدة، ويُعرِّفونه منازلَ الطّريق ومَحاراتها٣، وقواطعها وآفاتها.

وأمّا القُرّاء فيدقُّونه بالعبادة من الصّوم والصّلاة دَقًّا، ولا يُذِيقونه شيئًا من حلاوة أعمال القلوب وتهذيب النُّفوس، إذ ليس ذلك طريقتهم. ولهذا بينهم وبين أرباب التّصوُّف نوعُ تنافرٍ، كما تقدّم.

والبصير الصّادق يضرب في كلِّ غنيمةٍ بسهمٍ، ويعاشر كلَّ طائفةٍ على

  1. (١) ل: «العبادة التعبد».
  2. (٢) «لله» ليست في ل.
  3. (٣) ش، د: «ومجاراتها». والمحارات بمعنى متاهات الطرق.
130

أحسنِ ما معها، ولا يتحيَّزُ إلى طائفةٍ وينأى عن أخرى بالكلِّيّة: إلّا أن لا١ يكون معها شيءٌ من الحقِّ. فهذه طريقة الصّادقين. ودعوى الجاهليّة كامنةٌ في النُّفوس.

ولا أَعنِي بذلك أصغرِيهمولكنِّي أريدُ به الذَّوِينا٢

سمع النّبيُّ ﷺ في بعض غزواته قائلًا يقول: يا للمهاجرين! وآخر يقول: يا للأنصار! فقال: «ما بالُ دعوى الجاهليّة وأنا بين أظهُرِكم؟»٣.

هذا، وهما اسمان شريفان، سمّاهم الله بهما في كتابه، فنهاهم عن ذلك، وأرشدَهم إلى أن يتداعَوا بالمسلمين والمؤمنين عبادِ الله، وهي الدّعوى الجامعة، بخلاف الدعوى المفرِّقة كالفلانيّة والفلانيّة٤، فالله المستعان٥.

وقال ﷺ لأبي ذرٍّ: «إنّك امرؤٌ فيك جاهليّةٌ». فقال: على كبرِ السِّنِّ منِّي يا رسول الله؟ قال: «نعم»٦.

  1. (١) «لا» ليست في ل.
  2. (٢) البيت للكميت من قصيدته النونية المشهورة في «ديوانه» (ص ١٠٩)، وانظر: «الصحاح»، و«لسان العرب» (ذو)، و«الكتاب» لسيبويه (٢/ ٤٣)، و«خزانة الأدب» (١/ ٦٧، ٢/ ٢٨٤).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٥١٨، ٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وليس عندهما «وأنا بين أظهركم».
  4. (٤) «والفلانية» ليست في ش، د.
  5. (٥) «فالله المستعان» ليست في د.
  6. (٦) أخرجه البخاري (٦٠٥٠) ومسلم (١٦٦١) من حديث أبي ذر ﵁.
131

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي