أحسنِ ما معها، ولا يتحيَّزُ إلى طائفةٍ وينأى عن أخرى بالكلِّيّة: إلّا أن لا١ يكون معها شيءٌ من الحقِّ. فهذه طريقة الصّادقين. ودعوى الجاهليّة كامنةٌ في النُّفوس.
ولا أَعنِي بذلك أصغرِيهمولكنِّي أريدُ به الذَّوِينا٢
سمع النّبيُّ ﷺ في بعض غزواته قائلًا يقول: يا للمهاجرين! وآخر يقول: يا للأنصار! فقال: «ما بالُ دعوى الجاهليّة وأنا بين أظهُرِكم؟»٣.
هذا، وهما اسمان شريفان، سمّاهم الله بهما في كتابه، فنهاهم عن ذلك، وأرشدَهم إلى أن يتداعَوا بالمسلمين والمؤمنين عبادِ الله، وهي الدّعوى الجامعة، بخلاف الدعوى المفرِّقة كالفلانيّة والفلانيّة٤، فالله المستعان٥.
وقال ﷺ لأبي ذرٍّ: «إنّك امرؤٌ فيك جاهليّةٌ». فقال: على كبرِ السِّنِّ منِّي يا رسول الله؟ قال: «نعم»٦.
(١) «لا» ليست في ل.
(٢) البيت للكميت من قصيدته النونية المشهورة في «ديوانه» (ص ١٠٩)، وانظر: «الصحاح»، و«لسان العرب» (ذو)، و«الكتاب» لسيبويه (٢/ ٤٣)، و«خزانة الأدب» (١/ ٦٧، ٢/ ٢٨٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٥١٨، ٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وليس عندهما «وأنا بين أظهركم».
(٤) «والفلانية» ليست في ش، د.
(٥) «فالله المستعان» ليست في د.
(٦) أخرجه البخاري (٦٠٥٠) ومسلم (١٦٦١) من حديث أبي ذر ﵁.
فمَنْ يأمنُ القُرّاءَ بعدَك يا شَهْرُ؟١
ولا يذوق العبد حلاوةَ الإيمان وطعْمَ الصِّدق واليقين، حتّى تخرج الجاهليّة كلُّها من قلبه. ووالله لو تحقَّق النّاس في هذا الزّمان ذلك من قلب رجلٍ واحدٍ٢ لرَمَوه عن قوسٍ واحدةٍ، وقالوا: هذا مبتدعٌ، ومن دعاة البدع. فإلى الله المشتكى، وهو المسؤول الصّبر والثّبات، فلا بدَّ من لقائه، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾[طه: ٦١]، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾[الشعراء: ٢٢٧].
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (باب الإرادة: قال الله تعالى: ﴿يَئُوسًا ٨٣ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ﴾[الإسراء: ٨٤]).
في تصديره البابَ بهذه الآية دلالةٌ على عِظَم قدرِه، وجلالةِ محلِّه من هذا
(١) صدره: لقد باعَ شهرٌ دينَه بخريطةٍ والبيت مع آخر للقُطامي الكلبي أو سِنان بن مكمل النميري في «تاريخ الطبري» (٦/ ٥٣٨، ٥٣٩)، وبلا نسبة في «البيان والتبيين» (٤/ ٨٢)، و«المعارف» (ص ٤٤٨)، و«ثمار القلوب» (ص ١٦٩) وغيرها. وقد كان شهر بن حوشب على بيت المال، فأخذ خريطةً فيها دراهم، فقال الشاعر فيه ذلك. قال الذهبي في «السير» (٤/ ٣٧٥): إسنادها منقطع، ولعلها وقعت وتاب منها، أو أخذها متأوّلًا أنّ له في بيت مال المسلمين حقًّا، نسأل الله الصفح.