قلت: ودلالته لنا على الصِّراط المستقيم هي من موجَبِ كونه ﷾ على الصِّراط المستقيم، فإنّ دلالته بفعله وقوله، وهو على الصِّراط المستقيم في أفعاله وأقواله. فلا يناقض قول من قال: إنّه سبحانه على الصِّراط المستقيم.
قال١: وقيل: هو رسول الله ﷺ بما٢ يأمر بالعدل، وهو على صراطٍ مستقيمٍ.
قلت: وهذا قولٌّ لا يناقض القول الأوّل، فالله على الصِّراط المستقيم، ورسولُه عليه فإنّه لا يأمر ولا يفعل إلّا مقتضاه٣ وموجبه. وعلى هذا يكون المثل مضروبًا لإمام الكفّار وهاديهم٤، وهو الصّنم الذي هو أبكم، لا يقدر على هدًى ولا خيرٍ؛ ولإمام الأبرار، وهو رسول الله ﷺ الذي يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيمٍ. وعلى القول الأوّل، يكون مضروبًا لمعبود الكفّار ومعبود الأبرار. والقولان متلازمان، فبعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا، وكلاهما مرادٌ من الآية.
قال٥: وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر، يرويه عطيّة عن ابن عبّاسٍ. وقال عطاءٌ: الأبكم: أبيُّ بن خلفٍ، ومن يأمر بالعدل: حمزة وعثمان بن
(١) البغوي في "التفسير" (٥/ ٣٤).
(٢) لم يرد "بما" في المطبوع من التفسير.
(٣) ش: "بمقتضاه".
(٤) ما عدا ش: "وهاديه"، وأصلحه بعضهم في م.
(٥) البغوي في "تفسيره" (٥/ ٣٤).
عفّان١ وعثمان بن مظعونٍ.
قلت: والآية تحتمله، ولا يناقض القولين قبله، فإنّ الله على صراطٍ مستقيمٍ، ورسولُه، وأتباعُ رسوله. وضدُّ ذلك: معبود الكافر، وهاديه، والكافر: التّابع٢ والمتبوع والمعبود. ويكون بعضُ السّلف ذكر أعلى الأنواع، وبعضهم ذكر الهادي، وبعضهم ذكر المستجيب القابل، وتكون الآية متناولةً لذلك كلِّه. ولذلك نظائر كثيرة في القرآن.
وأمّا آية هودٍ ﵇، فصريحةٌ لا تحتمل إلّا معنًى واحدًا، وهو أنّ الله ﷾ على صراطٍ مستقيمٍ. وهو سبحانه أحقُّ من كان على صراطٍ مستقيمٍ، فإنّ أقواله كلّها صدقٌ ورشدٌ وهدًى وعدلٌ وحكمةٌ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾٣[الأنعام: ١١٥]، وأفعاله كلُّها مصالح وحِكَمٌ، ورحمةٌ وعدلٌ وخيرٌ. فالشّرُّ لا يدخل في أفعاله ولا أقواله البتة، لخروج الشرِّ عن الصِّراط المستقيم، فكيف يدخل في أفعال مَن هو على الصِّراط المستقيم أو أقواله! وإنّما يدخل في أفعال من خرج عنه وأقواله.
وفي دعاء النبي ﷺ: "لبّيك وسعديك، والخيرُ كلُّه بيديك، والشّرُّ ليس إليك"٤. ولا يلتفت٥ إلى تفسير من فسَّره بقوله: والشّرُّ لا يتقرَّب به
(١) "وعثمان بن عفان" ساقط من ش.
(٢) ش: "والتابع"، ويبدو أنه كان كذا في ق ثم طمس.
(٣) هكذا في جميع النسخ "كلمات" على قراءة أبي عمرو وغيره ما عدا الكوفيين من السبعة.