ولا يذوق العبد حلاوةَ الإيمان وطعْمَ الصِّدق واليقين، حتّى تخرج الجاهليّة كلُّها من قلبه. ووالله لو تحقَّق النّاس في هذا الزّمان ذلك من قلب رجلٍ واحدٍ٢ لرَمَوه عن قوسٍ واحدةٍ، وقالوا: هذا مبتدعٌ، ومن دعاة البدع. فإلى الله المشتكى، وهو المسؤول الصّبر والثّبات، فلا بدَّ من لقائه، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾[طه: ٦١]، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾[الشعراء: ٢٢٧].
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (باب الإرادة: قال الله تعالى: ﴿يَئُوسًا ٨٣ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ﴾[الإسراء: ٨٤]).
في تصديره البابَ بهذه الآية دلالةٌ على عِظَم قدرِه، وجلالةِ محلِّه من هذا
(١) صدره: لقد باعَ شهرٌ دينَه بخريطةٍ والبيت مع آخر للقُطامي الكلبي أو سِنان بن مكمل النميري في «تاريخ الطبري» (٦/ ٥٣٨، ٥٣٩)، وبلا نسبة في «البيان والتبيين» (٤/ ٨٢)، و«المعارف» (ص ٤٤٨)، و«ثمار القلوب» (ص ١٦٩) وغيرها. وقد كان شهر بن حوشب على بيت المال، فأخذ خريطةً فيها دراهم، فقال الشاعر فيه ذلك. قال الذهبي في «السير» (٤/ ٣٧٥): إسنادها منقطع، ولعلها وقعت وتاب منها، أو أخذها متأوّلًا أنّ له في بيت مال المسلمين حقًّا، نسأل الله الصفح.
(٢) «واحد» ليست في ش، د.
(٣) (ص ٥٢).
العلم، فإنّ معنى الآية: كلٌّ يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به. فالفاجر يعمل على ما يليق به، وكذلك الكافر والمنافق، ومريد الدُّنيا وجِيفَتِها١ عاملٌ على ما يناسبه، ولا يليق به سواه، ومحبُّ الصُّور عاملٌ على ما يناسبه ويليق به.
فكلُّ امرئٍ يَهْفُو إلى من٢ يُحِبُّهوكلُّ امرئٍ يَصْبو إلى من يُناسِبُه٣
فالمريد الصّادق المحبُّ لله يعمل ما هو اللّائق به والمناسب له، فهو يعمل على شاكلة إرادته، وما هو الأليقُ به٤ والأنسبُ لها.
قال٥: (الإرادة من قوانين هذا العلم وجوامعِ أبنيتِه، وهي الإجابة لدواعي الحقيقة، طوعًا أو كَرْهًا).
يريد: أنّ هذا العلم مبنيٌّ على الإرادة، فهي أساسه ومجمعُ بنائه، وهو مشتملٌ على تفاصيل أحكام الإرادة، وهي حركة القلب، ولهذا سمِّي علم الباطن. كما أنّ علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح، ولهذا سمَّوه علم الظّاهر. فهاتان حركتان اختياريّتان. وللعبد حركةٌ طبيعيّةٌ اضطراريّةٌ، فالعلم المشتمل على تفاصيلها وأحكامها هو علم الطِّبِّ. فهذه العلوم الثّلاثة هي الكفيلة بمعرفة حركات٦ النّفس والقلب، وحركات اللِّسان والجوارح،