فالطّبيب ينظر في تلك الحركات من جهة تأثُّرِ البدن عنها صحّةً واعتلالًا، وفي لوازم ذلك ومتعلِّقاته.
والفقيه ينظر في تلك الحركات من جهة موافقتها لأمر الشّرع ونهيه، وإذنه وكراهته، ومتعلِّقات ذلك.
والصُّوفيُّ ينظر في تلك الحركات من جهة كونها مُوصِلةً له إلى مراده أو قاطعةً عنه، ومُفسِدةً لقلبه أو مصحِّحةً له.
وأمّا قوله: (وهي الإجابة لداعي الحقيقة)، فالإجابة هي الانقياد والإذعان. والحقيقة عندهم: مشاهدة الرُّبوبيّة. والشّريعة: التزام العبوديّة. فالشّريعة أن تعبدَه، والحقيقة أن تشهدَه، فالشّريعة١ قيامُك بأمره، والحقيقة شهودُك لوصفه، وداعي الحقيقة هو صحّة المعرفة، فإنّ من عرفَ الله أحبّه ولا بدَّ.
ولا بدّ في هذه الإجابة من ثلاثة أشياء: نفسٌ مستعدّةٌ قابلةٌ لا تُعْوِز٢ إلّا الدّاعيَ، ودعوةً مُسمِعةً، وتخليةَ الطّريق من المانع. فما انقطع من انقطع إلّا من جهةٍ من هذه الجهات الثّلاث.
وقوله: (طوعًا أو كرهًا)، يشير إلى المجذوب المختطَف من نفسه، والسّالك إرادةً واختيارًا ومجاهدةً.
(١) «أن تعبده ... فالشريعة» ساقطة من ش، د.
(٢) ش، د: «يعوذ». ولا تعوز أي لا تحتاج.
قال١: (وهي على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: ذهابٌ عن العادات بصحبة العلم، والتّعلُّقُ بأنفاس السّالكين مع صدق القصد، وخَلْعُ كلِّ شاغلٍ من الإخوان ومُشتِّتٍ من الأوطان).
هذا٢ يوافق مَن حدَّ الإرادة بأنّها مخالفة العادة، وهي ترك عوائدِ النّفس وشهواتها، ورعوناتِها وبطالاتها. ولا يمكن ذلك إلّا بهذه الأشياء التي أشار إليها، وهي: صحبة العلم ومعانقته، فإنّه٣ النُّور الذي يُعرِّف العبدَ مواقعَ ما ينبغي إيثار طلبِه، وما ينبغي إيثار تركِه. فمن لم يصحَبْه العلم لم تصِحَّ له إرادةٌ باتِّفاق كلمة الصّادقين، ولا عِبرةَ بقُطَّاع الطّريق.
وقال بعضهم: متى رأيت الصُّوفيّ والفقير يقدَحُ في العلم فاتَّهِمْه على الإسلام.
ومنها: التّعلُّق بأنفاس السّالكين. ولا ريبَ أنّ كلّ من تعلّق بأنفاس قومٍ انخرط في سِلْكهم ودخل في جُملتهم.