وقوله: (وخَلْعُ كلِّ شاغلٍ من الإخوان ومُشتِّتٍ من الأوطان).
يشير إلى ترك الموانع والقواطع العائقة١ عن السُّلوك: من صحبة الأغيار، والتّعلُّق بالأوطان التي أَلِفَ فيها البطالةَ والنَّذالة. فليس على المريد الصّادق أضرُّ من عُشَرائه٢ ووطنه، القاطعين له عن سيره إلى الله تعالى، فلْيتغرَّب عنهم بجهده.
فصل
قال٣: (الدّرجة الثّانية: تقطُّعٌ بصحبة الحال، وترويحِ الأُنس، والسّيرِ بين القبض والبسط).
أي ينقطع إلى صحبة الحال، وهو الوارد الذي يرِد على القلب من تأثُّره بالمعاملة، السّالب لوصف الكسل والفتور، الجاذب له إلى مرافقة الرّفيق٤ الأعلى الذين أنعمَ الله عليهم. فينتقل من مقام العلم إلى مقام الكشف، ومن مقام رسوم الأعمال إلى مقام حقائقها٥ وأذواقِها ومواجيدِها وأحوالِها، فيترقّى من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان.
وأمّا ترويح الأنس الذي أشار إليه: فإنّ السّالك في أوّل الأمر يجد تعبَ التكليف ومشقّةَ العمل، لعدم أُنسِ قلبه بمعبوده. فإذا حصل للقلب روح٦
(١) «العائقة» ليست في ش، د.
(٢) ل: «عشائره».
(٣) «المنازل» (ص ٥٢).
(٤) «الرفيق» ليست في ش، د.
(٥) ش، د: «حقائقه».
(٦) ش، د: «تروح».
الأنس به زالتْ عنه تلك التّكاليف والمشاقُّ، وصارتْ قرّةَ عينٍ له وقوّةً ولذّةً. فتصير الصّلاة قرّةَ عينه، بعدَ أن كانتْ حِمْلًا عليه، ويستريح بها بعدَ أن كان يطلب الرّاحة منها. فله ميراثٌ من قوله١: «أَرِحْنا بالصّلاة يا بِلالُ»٢ و«جُعِلتْ قرّةُ عيني في الصّلاة»٣ بحسب إرادته ومحبّته، وأنسِه بالله ووحْشَتِه ممّا سواه.
وأمّا السّير بين القبض والبسط، فالقبض والبسط حالتان تعرضان لكلِّ سالكٍ، يتولّدانِ من الخوف والرّجاء تارةً، فيقبضه الخوف، ويبسطه الرّجاء.
وقد يهجُم على قلب السّالك قبضٌ لا يدري ما سببه، وبَسْطٌ لا يدري ما سببه. وحكمُ صاحبِ هذا القبض أمران:
(١) «قوله» ليست في ش، د.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٨)، وأبو داود (٤٩٨٥) من حديث رجل من الصحابة لم يُسَمَّ، وإسناده صحيح. وللحديث طرق أخرى معلولة، انظر: «علل الدارقطني» (٤/ ١٢٠ - ١٢٢).
(٣) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣، ١٢٢٩٤)، والنسائي (٣٩٤٠) وغيرهما من حديث أنس ﵁، وصححه الحاكم (٢/ ١٦٠)، وقال الذهبي في «الميزان» (٢/ ١٧٧): إسناده قوي. وحسَّنه الحافظ ابن حجر في «التلخيص» (٣/ ١٣٣، ١٣٤).