مدارج السالكين

الذُّهول هاهنا: هو الغَيبة في المشاهدة بالحال الغالب، المُذْهِل لصاحبه عن التفاتِه إلى غيره. وهذا إنّما ينفع إذا كان مصحوبًا بالاستقامة١، وهي حفظ حدود العلم، والوقوف معها، وعدم إضاعتها. وإلّا فأحسنُ أحوال هذا الذّاهل: أن يكون كالمجنون الذي رُفِع عنه القلم، فلا يُقتَدى به، ولا يُعاقَب على تركِه الاستقامةَ.

وأمّا إن كان سببُ الذُّهول المُخرِج عن الاستقامة باستدعائه وتكلُّفِه وإرادته: فهو عاصٍ مُفرِّطٌ، مُضيِّعٌ لأمر الله، له حكمُ أمثالِه من المفرِّطين.

وكان شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى وقدَّس روحَه يقول: متى كان السّبب محظورًا لم يكن السّكرانُ معذورًا.

وقوله: (وملازمة الرِّعاية على تهذيبِ الأدب).

يريد به: ملازمةَ رعايةِ حقوق الله مع التّأدُّب بآدابه، فلا يُخرِجه ذهولُه عن استقامته، ولا عن رعايةِ حقوق سيِّده، ولا عن الوقوف بالأدب بين يديه. والله المستعان.

  1. (١) ش، د: «مصحوب الاستقامة».
139

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الأدب. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. قال ابن عبّاسٍ وغيره: علِّموهم وأدِّبوهم١.

وهذه اللّفظة مُؤذِنةٌ بالاجتماع، فالأدب اجتماع خصال الخير في العبد، ومنه المأدبة، وهو الطّعام الذي يُجمع عليه النّاس.

وعلم الأدب: هو علم إصلاح اللِّسان والخطاب، وإصابة مواقعه، وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الخطأ والخلل. وهو شعبةٌ من الأدب العامِّ.

فصل

والأدب ثلاثة أنواعٍ: أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع رسوله وشرعه٢، وأدبٌ مع خَلْقه.

فالأدب مع الله ثلاثة أنواعٍ:

أحدها: صيانة معاملته٣ أن يشوبها بنقيصةٍ.

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٣٠٣)، والطبري (٢٣/ ١٠٣)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٩٤) عن علي بن أبي طالب. وعزاه السراج في «اللمع» (ص ١٤١، ١٤٢) والقشيري في «الرسالة القشيرية» (ص ٥٩٣) إلى ابن عباس.
  2. (٢) «وشرعه» ليست في ش، د.
  3. (٣) ش، د: «ملتنه». وفي هامشهما: «ملّته».
140

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي