إنّه معرفة النّفس١. أراد: أن أصله معرفة النفس ورُعوناتِها، وتجنُّبُ تلك الرُّعونات.
وقال الشِّبليُّ ﵀: الانبساط بالقول مع الحقِّ ترك الأدب٢.
وقال بعضهم: الحقُّ سبحانه يقول: من ألزمتُه القيامَ مع أسمائي وصفاتي ألزمتُه الأدبَ، ومن كشفتُ له عن حقيقة ذاتي ألزمتُه العطبَ، فاختَرِ الأدبَ أو العطبَ٣.
ويشهد لهذا: أنّه سبحانه لمّا كشفَ للجبل عن ذاته ساخَ الجبلُ وتدكْدَكَ، ولم يثبت على عظمة الذّات.
وقال أبو عثمان ﵀: إذا صحّت المحبّة تأكّدتْ على المحبِّ ملازمةُ الأدب٤.
وقال النُّوريُّ ﵀: من لم يتأدّب للوقت فوقتُه مَقْتٌ٥.
وقال ذو النُّون ﵀: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنّه يرجع من حيث جاء٦.
(١) المصدر نفسه (ص ٥٩٧).
(٢) المصدر نفسه (ص ٥٩٧)، و«تاريخ دمشق» (٦٦/ ٦١).
(٣) المصدر نفسه (ص ٥٩٨).
(٤) المصدر نفسه (ص ٥٩٩).
(٥) المصدر نفسه (ص ٥٩٩).
(٦) المصدر نفسه (ص ٥٩٩).
وتأمّلْ أحوالَ الرُّسل مع الله، وخطابَهم وسؤالَهم، كيف تجدها كلّها مشحونةً بالأدب قائمةً به.
قال المسيح: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾[المائدة: ١١٦]، ولم يقل: «لم أقله». وفرقٌ بين الجوابين في حقيقة الأدب. ثمّ أحال الأمر على علمه بالحال وبسِرِّه فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾. ثمّ برّأ نفسَه عن علمه بغيب ربِّه وما يختصُّ به، فقال: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. ثمّ أثنى على ربِّه، ووصفَه بتفرُّده بعلم الغيوب كلِّها، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ثمّ نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره به ــ وهو محض التّوحيد ــ فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. ثمّ أخبر عن شهادته عليهم مدّةَ مُقامِه فيهم، وأنّه بعد وفاته لا اطِّلاعَ له عليهم، وأنّ الله ﷿ وحدَه المنفردُ بعد الوفاة بالاطِّلاع عليهم، فقال: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. ثمّ وصفه بأنّ شهادته سبحانه فوق كلِّ شهادةٍ وأعمُّ، وأنه على كلٍّ شهيدٌ، فقال: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ثمّ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام، أي: شأنُ السّيِّد رحمة عبيده والإحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدًا لغيرك، فإذا عذَّبتَهم ــ مع كونهم عبيدَك ــ فلولا أنّهم عبيدُ سوءٍ من أخسِّ١ العبيد وأعتاهم على سيِّدهم وأعصاهم له= لم تُعذِّبهم، لأنّ مرتبة العبوديّة تستدعي إحسان السّيِّد إلى عبده ورحمته، فلماذا يُعذِّب أرحم الرّاحمين، وأجودُ الأجودين وأعظم المحسنين إحسانًا عبيدَه؟ لولا فرطُ عُتوِّهم وإبائهم عن طاعته، وكمالُ استحقاقهم للعذاب.