وقد تقدّم قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. أي: هم١ عبادك، وأنت أعلم بسرِّهم وعلانيتهم، فإذا عذَّبتَهم عذّبتَهم على علمٍ منك بما تُعذِّبهم عليه، فهم عبادك وأنت أعلم بما جَنَوه واكتسبوه، فليس في هذا استعطافٌ لهم كما يظنُّه الجهّال، ولا تفويضٌ إلى محض المشيئة والملك المجرّد عن الحكمة كما تظنُّه القدريّة. وإنّما هو إقرارٌ واعترافٌ وثناءٌ عليه بحكمته وعدله، وكمالِ علمه بحالهم، واستحقاقهم للعذاب.
ثمّ قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ولم يقل: «الغفور الرّحيم». وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، فإنّه في وقت غضب الرّبِّ عليهم، والأمرِ بهم إلى النّار، فليس مقام استعطافٍ ولا شفاعةٍ، بل مقام براءةٍ منهم. فلو قال: «فإنّك أنت الغفور الرّحيم» لأشعرَ باستعطافه على أعدائه الذين قد اشتدّ غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقةٍ للرّبِّ٢ في غضبه على من غضِبَ الرّبُّ عليهم، فعدَلَ عن ذكر الصِّفتين اللّتين يسأل بهما عطْفَه ورحمتَه ومغفرتَه٣ إلى ذكرِ العزّة والحكمة المتضمِّنتين لكمال القدرة وكمال العلم.
والمعنى: إن غفرتَ لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم، ليست عن عجزٍ عن الانتقام منهم، ولا عن خفاءٍ عليك بمقدار جرائمهم٤، وهذا لأنّ العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه، ولجهله بمقدار
(١) «هم» ليست في ل.
(٢) ل: «الرب» ..
(٣) «ومغفرته» ليست في ش، د.
(٤) ش، د: «جزائهم».
إساءته إليه. والكمال هو مغفرة القادر العالم، وهو العزيز الحكيم. فكان ذكر هاتين الصِّفتين في هذا المقام عينَ الأدب في الخطاب.
وفي بعض الآثار: «حملة العرش أربعةٌ: اثنان يقولان: سبحانك اللهمّ ربَّنا وبحمدك، لك الحمدُ على حِلمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، لك الحمد١ على عفوِك بعد قدرتك»٢. ولهذا يقترن كلٌّ من هاتين الصِّفتين بالأخرى، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾[النساء: ١٢]، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾٣[النساء: ١٤٩].
وكذلك قول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ٧٨ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾[الشعراء: ٧٨ - ٨٠]، ولم يقل: «وإذا أمرضني» حفظًا للأدب مع الله.
وكذلك قول الخضر ﵇ في السّفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾[الكهف: ٧٩]، ولم يقل: «فأراد ربُّك أن أعيبها». وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾[الكهف: ٨٢].
(١) «على حلمك ... لك الحمد» ساقطة من ل، د بسبب انتقال النظر.
(٢) هذا الأثر مروي عن بعض السلف لكن بلفظ: «حملة العرش ثمانية، أربعة يقولون ...». رواه ابن أبي شيبة في كتاب «العرش» (٢٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٧) عن شهر بن حوشب. ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٧٤) عن حسان بن عطية، وقال الذهبي: إسناده قوي، ووافقه الألباني في «مختصر العلو» (ص ١٠١). ورواه أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (٣/ ٥٥) وأبو الشيخ في «العظمة» (٣/ ٩٥٤) عن هارون بن رئاب.