أحدٌ١، أدبًا مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدّة الحياء منه، ومعرفة وقاره.
وقال بعضهم: التزمِ الأدبَ ظاهرًا وباطنًا، فما أساء أحدٌ الأدبَ في ظاهرٍ إلّا عُوقِب ظاهرًا، وما أساء أحدٌ الأدبَ باطنًا إلّا عُوقِب باطنًا٢.
وقال عبد الله بن المبارك ﵀: من تهاونَ بالأدب عُوقب بحرمان السُّنن، ومن تهاونَ بالسُّنن عُوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاونَ بالفرائض عُوقب بحرمان المعرفة٣.
وقيل: الأدب٤ في العمل علامة قبول العمل.
وحقيقة الآداب٥ استعمال الخلق الجميل، ولهذا كان الأدب استخراج ما في الطّبيعة من الكمال من القوّة إلى الفعل. فإنّ الله سبحانه هيّأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهليّة والاستعداد، التي فيه كامنةٌ
(١) أخرجه أحمد (٢٠٠٣٤، ٢٠٠٤٠)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٩٤)، وابن ماجه (١٩٢٠) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «فالله أحقٌ أن يُستحيا منه». وإسناده حسن.
(٢) نسبه السلمي في «ذكر النسوة المتعبدات» (ص ٨٥) إلى عائشة بنت أبي عثمان الحيري، وكذا في «صفة الصفوة» (٤/ ١٢٥).
(٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣٠١٧).
(٤) ل: «للأدب».
(٥) د: «الأدب».
كالنّار في الزِّناد، فألهمَه ومكَّنه، وعرَّفه وأرشدَه، وأرسلَ إليه رسلَه وأنزل كتبَه، لاستخراج تلك القوّة التي أهَّلَه بها لكماله إلى الفعل. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[الشمس: ٧ - ١٠]. فعبّر عن خلق النّفس بالتّسوية الدالَّة على الاعتدال والتّمام، ثمّ أخبر عن قبولها للفجور والتّقوى، وأنّ ذلك بإلهامه امتحانًا واختبارًا. ثمّ خصّ بالفلاح من زكّاها، فنمَّاها وعَلَّاها، ورفعها بآدابه التي أدّب بها رسلَه وأنبياءه وأولياءه، وهي التّقوى. ثمّ حكم بالشّقاء على من دَسَّاها، فأخفاها وحقَّرها، وصغَّرها وقمَعَها بالفجور.
فصل
وجرت عادةُ القوم أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيِّه ﷺ حين أراه ما أراه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾[النجم: ١٧]. وأبو القاسم القشيريُّ ﵀ صدَّر بابَ الأدب بهذه الآية١، وكذلك غيره.
وكأنّهم نظروا إلى قول من قال من أهل التّفسير٢: إنّ هذا وصفٌ لأدبه ﷺ في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب. والإخلالُ به: أن يلتفت النّاظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلّع إلى ما أمامَ المنظور، فالالتفات زَيْغٌ، والتّطلُّع إلى ما٣ أمامَ المنظور طغيانٌ ومجاوزةٌ. فكمال الأدب إقبالُ النّاظر على المنظور، لا يَصرِف بصرَه عنه يَمْنةً ولا يَسْرةً، ولا يتجاوزه.