إليك، أو لا يصعد إليك١؛ فإنّ المعنى أجلُّ من ذلك، وأكبر وأعظم قدرًا، فإنّ من أسماؤه٢ كلُّها حسنى، وأوصافه كلُّها كمالٌ، وأفعاله كلُّها حِكمٌ، وأقواله كلُّها صدقٌ وعدلٌ= يستحيل دخولُ الشّرِّ في أسمائه أو أوصافه٣ أو أفعاله أو أقواله٤.
وطابِقْ٥ بين هذا المعنى وبين قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[هود: ٥٦] وتأمَّلْ كيف ذكر هذا عقيب قوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾[هود: ٥٦]. أي هو ربِّي، فلا يُسْلِمني ولا يضيِّعني، وهو ربُّكم فلا يسلِّطكم عليّ ولا يمكِّنكم منِّي، فإنّ نواصيكم بيده، لا تفعلون شيئًا بدون مشيئته؛ فإنّ ناصية كلِّ دابَّةٍ بيده، لا يمكنها تتحرَّكُ إلّا بإذنه؛ فهو المتصرِّف فيها، ومع هذا فهو في تصرُّفه فيها، وتحريكه لها، ونفوذ قضائه وقدره فيها= على صراطٍ
(١) نقل النووي في "شرح صحيح مسلم" (٦/ ٥٩) خمسة أقوال منها القولان المذكوران هنا.
(٢) في ق: "فإنَّ اسماه"، وبين الكلمتين فراغ يحتمل وجود "من" قبل محوها، كما في ل وغيرها، غير أن وجودها يقتضي أن يكون رسم الكلمة الثانية: "اسماوه". وفي ن كما في ق.
(٣) بعده في ل، م، ج: "كلها". وفي ق هنا فراغ، فيبدو أن الكلمة وجدت فيها أيضًا ثم طمست لكونها سهوًا من انتقال النظر إلى السطر السابق.
(٤) قد تكلم المؤلف على هذه المسألة في غير موضع من كتبه، نحو "بدائع الفوائد" (ص ٧٢٤ - ٧٢٦) و"حادي الأرواح" (ص ٧٧٠ - ٧٧١) و"شفاء العليل"، الباب الحادي عشر في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر. وانظر ما سيأتي في منزلة الخلق (٣/ ٦٢).
(٥) سقطت بعده تسع ورقات من ل.
مستقيمٍ. لا يفعل ما يفعل من ذلك إلّا بحكمةٍ وعدلٍ ومصلحةٍ. ولو١ سلَّطكم عليَّ فله من الحكمة في ذلك ما له الحمد عليه، لأنّه تسليطُ مَن هو على صراطٍ مستقيمٍ، لا يظلم ولا يفعل شيئًا٢ عبثًا بغير حكمةٍ.
فهكذا تكون المعرفة٣ بالله، لا معرفة القدريّة المجوسيّة، ولا القدريّة الجبريّة نُفاةِ الحِكَم والمصالح والتَّعليل. والله الموفِّق ﷾.
فصل
ولمّا كان طالبُ الصِّراط المستقيم طالبَ أمرٍ أكثرُ النّاس ناكبون عنه، مريدٌ٤ لسلوك طريقٍ مُرافِقُه فيها في غاية العزّة، والنُّفوسُ مجبولةٌ على وحشة التّفرُّد وعلى الأنس بالرّفيق= نبَّه الله سبحانه على الرّفيق في هذه الطّريق، وأنّهم٥ هم الذين ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾[النساء: ٦٩]، فأضاف الصِّراط إلى الرّفيق السّالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم، ليزول عن الطّالب للهداية وسلوكِ الصِّراط وحشةُ تفرُّده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلمَ أنَّ رفيقه في هذا الصِّراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة النّاكبين عنه له، فإنّهم هم الأقلُّون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السّلف:
(١) ش: "فلو".
(٢) "شيئًا" ساقط من ش.
(٣) ش: "يكون فن المعرفة". وفي م: "يكون فس ... " مع علامة الإهمال على السين، ولا معنى له. ويبدو أن كلمة نحوها كانت في ق أيضًا ولكنها محيت.
(٤) كذا بالرفع في جميع النسخ والوجه: "مريدًا" كما في المطبوع.