وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه، فإنّ عادة النُّفوس إذا أُقيمت في مقامٍ عالٍ رفيعٍ: أن تتطلّع إلى ما هو أعلى منه وفوقه. ألا ترى أنّ١ موسى ﷺ لمّا أُقيم في مقامِ التّكلُّم والمناجاة طلبتْ نفسُه الرُّؤية؟ ونبيُّنا ﷺ لمّا أقيم في ذلك المقام وفّاه حقَّه، ولم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أُقيم فيه البتّةَ.
ولأجل هذا ما عاقه عائقٌ، ولا وقفَ به مرادٌ، حتّى جاوز السّماوات السّبع حتّى عاتب موسى ربَّ العزّة، وقال: تقول بنو إسرائيل: إنِّي أكرمُ الخلق على الله، ...٢ فلم تَعُقْه إرادةٌ، ولم يقِفْ به دونَ كمال العبوديّة همّةٌ.
ولهذا كان مركوبه في مَسْراه يسبق خَطْوُه الطَّرْفَ، فيضع قدمَه عند منتهى طَرْفه، مشاكلًا لحالِ راكبه، وبُعْدِ شَأْوِه الذي سبقَ به العالمَ أجمعَ في سيره، فكان قَدمُ البُراقِ لا تتخلَّف عن موضع نظره، كما كان قَدمُه ﷺ لا يتأخّر عن محلِّ معرفته.
فلم يزل ﷺ في خَفَارةِ كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مرتبة عبوديّته
(١) ش، د: «إلى».
(٢) بعدها بياض في الأصول. وكأن المؤلف أراد أن يكمل الحديث بالرجوع إلى المصادر، فلم يتيسر له. وهو قطعة من حديث طويل يرويه أبو هارون العبدي ــ وهو متروك ــ عن أبي سعيد الخدري، أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٢٧)، والطبري في «التفسير» (١٤/ ٤٣٦ - ٤٤١)، و«تهذيب الآثار» [مسند ابن عباس] (٧٢٥)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٣). وفيه: «يزعمُ الناس أنّي أكرم الخلق على الله، فهذا أكرمُ على الله منّي، ولو كان وحده لم أكن أبالي، ولكن كلُّ نبيّ ومَن تبعه من أمته».
له، حتّى خرقَ حُجُبَ السّماوات، وجاوز السّبع الطِّباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محلٍّ من القرب سبقَ به الأوّلين والآخرين. فانصبَّتْ إليه هناك أقسامُ القرب انصبابًا، وانقشعَتْ عنه سحائب الحُجب ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا، وأُقيمَ مقامًا غَبَطَه به الأنبياء والمرسلون. فإذا كان في المعاد أُقيم مقامًا من القرب ثانيًا يَغْبِطه به الأوّلون والآخرون، واستقام هناك على صراطٍ مستقيمٍ من كمال أدبه مع الله، ما زاغَ البصر عنه وما طغى. فأقامه في هذا العالم على أقومِ صراطٍ من الحقِّ والهدى، وأقسمَ بكلامه على ذلك في الذِّكر الحكيم، فقال: ﴿يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ٣ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[يس: ١ - ٤]. فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصِّراط يسأله السّلامةَ لأتباعه وأهل سنّته، حتّى يَجُوزوه إلى جنّات النّعيم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
والأدب هو الدِّين كلُّه، فإنّ ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة والتّطهُّر من الخبث من الأدب، حتّى يقف بين يدي الله طاهرًا. ولهذا كانوا يستحبُّون أن يتجمّل الرّجل في صلاته للوقوف بين يدي ربِّه.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: أمرَ الله بقدرٍ زائدٍ على ستر العورة في الصّلاة، وهو أخذ الزِّينة، فقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾[الأعراف: ٣١]. فعلّق الأمر باسم الزِّينة لا بستر العورة، إيذانًا بأنّ العبد ينبغي له أن يلبسَ أزينَ ثيابه وأجملَها في الصّلاة١.
(١) انظر معنى أخذ الزينة عند الصلاة في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٠٩ - ١٢٠).