مدارج السالكين

وكان لبعض السّلف حُلّةٌ بمبلغٍ عظيمٍ من المال، وكان يلبسها وقتَ الصّلاة ويقول: ربِّي أحقُّ مَن تَجمّلتُ له في صلاتي١.

ومعلومٌ أنّ الله يُحِبُّ أن يرى أثرَ نعمته على عبده، ولاسيّما إذا وقفَ بين يديه، فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إيّاها ظاهرًا وباطنًا.

ومن الأدب: نهيُ النّبيِّ ﷺ المصلِّي أن يرفع بَصَرَه إلى السّماء٢.

فسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه ــ يقول: هذا من كمال أدب الصّلاة: أن يقف العبد بين يدي ربِّه مُطرِقًا، خافضًا٣ طرْفَه إلى الأرض، ولا يرفع بصرَه إلى فوق.

قال: والجهميّة ــ لمّا لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه ــ ظنُّوا أنّ هذا دليلٌ على أنّ الله ليس فوق سمواته على عرشه، كما أخبر به عن نفسه واتّفقت عليه رسله وجميع أهل السُّنّة.

قال: وهذا من جهلهم، بل هذا دليلٌ لمن عقل عن الرّسول ﷺ على نقيض قولهم; إذ من الأدب مع الملوك: أنّ الواقف بين أيديهم يُطرِق إلى الأرض، ولا يرفع بصره إليهم. فما الظّنُّ بملك الملوك سبحانه؟

  1. (١) نقله السفّاريني في «غذاء الألباب» (٢/ ٢٠٤) من هذا الكتاب.
  2. (٢) كما في حديث أنس بن مالك الذي أخرجه البخاري (٧٥٠)، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم (٤٢٨)، وحديث أبي هريرة عنده (٤٢٩).
  3. (٣) ل: «خافظا».
154

وسمعته يقول في نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الرُّكوع والسُّجود١: إنّ القرآن أشرف الكلام، وهو كلام الله، وحالتا الرُّكوع والسُّجود حالتا ذُلٍّ وانخفاضٍ من العبد، فمن الأدب مع كلام الله: أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به.

ومن الأدب مع الله: أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء حاجته٢، كما ثبت عن النّبيِّ ﷺ في حديث أبي أيُّوب وسلمان وأبي هريرة٣ وغيرهم. والصّحيح: أنّ هذا الأدب يعمُّ الفضاءَ والبنيان. كما ذكرناه في غير هذا الموضع٤.

ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصّلاة: وضعُ اليمنى على اليسرى حالَ قيام القراءة، ففي «الموطّأ»٥ لمالكٍ عن سهل بن سعدٍ أنّه من السُّنّة، وكان النّاس يُؤمرون به. ولا ريبَ أنّه من آداب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء، فعظيمُ العظماء أحقُّ به.

ومنها: السُّكون في الصّلاة، وهو الدّوام الذي قال الله فيه: ﴿الَّذِينَ٦ هُمْ

  1. (١) أخرجه مسلم (٤٧٩، ٤٨٠) من حديث ابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵄.
  2. (٢) ل: «حاجة الإنسان».
  3. (٣) حديث أبي أيوب أخرجه البخاري (١٤٤، ٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤)، وحديث سلمان أخرجه مسلم (٢٦٢)، وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (٢٦٥).
  4. (٤) انظر: «أعلام الموقعين» (٣/ ٧٥)، و«تهذيب السنن» (١/ ١٠)، و«زاد المعاد» (٢/ ٤٥٨).
  5. (٥) برقم (٤٣٧). وهو من طريق مالك عند البخاري (٧٤٠).
  6. (٦) في جميع النسخ: «والذين».
155

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي