مدارج السالكين

فقال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفاتٍ إلى سواه.

فقلت له: فما الذي نسخَ هذا الفرض عنّا؟ وبأيِّ شيءٍ نسخ؟

فوضع إصبعَه على فيه، وبقي باهتًا متحيِّرًا، وما نطقَ بكلمةٍ.

هذا أدبُ الخواصِّ معه. لا مخالفةُ أمره، والشِّرك به، ورفع الأصوات، وإزعاجُ الأعضاء بالصّلاة عليه والتّسليم، وعزْلُ كلامِه عن اليقين وأن يُستفادَ منه معرفةُ الله، أو يُتلقّى منه أحكامه. بل المعوَّلُ في باب معرفة الله على العقول المتهوِّكة المتحيِّرة المتناقضة، وفي الأحكام على تقليد الرِّجال وآرائها. والقرآن١ والسُّنّة إنّما نقرؤهما تبرُّكًا، لا أنّا نتلقّى منهما أصولَ الدِّين ولا فروعه. ومن طلبَ ذلك ورامَه عاديناه، وسعينا في قطع دابِره، واستئصالِ شأفته. ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ٦٣ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ٦٤ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ٦٥ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ٦٦ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ٦٧ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ٦٨ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ٦٩ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ٧٠ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ٧١ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهْوَ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ٧٢ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٧٣ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ﴾ [المؤمنون: ٦٣ - ٧٤].

والنّاصح لنفسه العاملُ على نجاتها: يتدبَّر هذه الآيات حقَّ تدبُّرِها،

  1. (١) «والقرآن» ساقطة من ل.
158

ويتأمّلُها حقَّ تأمُّلها، ويُنزلها على الواقع يرى العجبَ. ولا تظنُّها اختصَّتْ بقومٍ كانوا فبانوا، فالحديث لك، واسمعِي يا جارَةْ١. والله المستعان.

ومن الأدب مع الرّسول٢ ﷺ: أن لا يتقدَّم بين يديه بأمرٍ ولا نهيٍ ولا إذنٍ ولا تصرُّفٍ، حتّى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. وهذا باقٍ إلى يوم القيامة لم يُنسَخ، فالتّقدُّم بين يَدَيْ سنّته بعد وفاته كالتّقدُّم بين يديه في حياته، لا فرقَ بينهما عند ذي عقلٍ سليمٍ.

قال مجاهدٌ ﵁: لا تَفْتاتُوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يَقضيه الله على لسانه٣.

وقال الضحاك ﵀: لا تَقضُوا أمرًا دون رسول الله ﷺ٤.

وقال أبو عبيدة ﵀: تقول العرب: لا تُقدِّمْ بين يَدَي الإمام وبين يَدَي الأب، أي لا تُعجِّلْ بالأمر والنّهي دونَه٥.

  1. (١) «إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارَةْ» مثل يُضرب لمن يخاطب شخصًا ويعني غيرَه. انظر قصته وأوّل مَن قاله في: «جمهرة الأمثال» (١/ ٢٩)، و«مجمع الأمثال» (١/ ٤٩)، و«فصل المقال» (ص ٧٦، ٧٧).
  2. (٢) ل: «رسول الله».
  3. (٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ٣٣٦). وانظر: «الدر المنثور» (١٣/ ٥٢٩).
  4. (٤) كذا في «تفسير البغوي» (٤/ ٢٠٩). وهو في «تفسير الطبري» (٢١/ ٣٣٧) عن سفيان. وروى قول الضحاك فيه بلفظ: يعني بذلك في القتال وما كان من أمورهم لا يصلُح أن يُقضَى إلا بأمره، ما كان من شرائع دينهم.
  5. (٥) «مجاز القرآن» (٢/ ٢١٩). ونقله في «تفسير البغوي» (٤/ ٢٠٨).
159

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي