ويتأمّلُها حقَّ تأمُّلها، ويُنزلها على الواقع يرى العجبَ. ولا تظنُّها اختصَّتْ بقومٍ كانوا فبانوا، فالحديث لك، واسمعِي يا جارَةْ١. والله المستعان.
ومن الأدب مع الرّسول٢ﷺ: أن لا يتقدَّم بين يديه بأمرٍ ولا نهيٍ ولا إذنٍ ولا تصرُّفٍ، حتّى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[الحجرات: ١]. وهذا باقٍ إلى يوم القيامة لم يُنسَخ، فالتّقدُّم بين يَدَيْ سنّته بعد وفاته كالتّقدُّم بين يديه في حياته، لا فرقَ بينهما عند ذي عقلٍ سليمٍ.
قال مجاهدٌ ﵁: لا تَفْتاتُوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يَقضيه الله على لسانه٣.
وقال الضحاك ﵀: لا تَقضُوا أمرًا دون رسول الله ﷺ٤.
وقال أبو عبيدة ﵀: تقول العرب: لا تُقدِّمْ بين يَدَي الإمام وبين يَدَي الأب، أي لا تُعجِّلْ بالأمر والنّهي دونَه٥.
(١) «إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارَةْ» مثل يُضرب لمن يخاطب شخصًا ويعني غيرَه. انظر قصته وأوّل مَن قاله في: «جمهرة الأمثال» (١/ ٢٩)، و«مجمع الأمثال» (١/ ٤٩)، و«فصل المقال» (ص ٧٦، ٧٧).
(٤) كذا في «تفسير البغوي» (٤/ ٢٠٩). وهو في «تفسير الطبري» (٢١/ ٣٣٧) عن سفيان. وروى قول الضحاك فيه بلفظ: يعني بذلك في القتال وما كان من أمورهم لا يصلُح أن يُقضَى إلا بأمره، ما كان من شرائع دينهم.
وقال غيره: لا تأمروا حتّى يأمر، ولا تَنْهَوا حتّى ينهى١.
ومن الأدب معه: أن لا تُرفَع الأصوات فوقَ صوته، فإنّه سببٌ لحبوط الأعمال. فما الظّنُّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنّته وما جاء به؟ أترى ذلك موجبًا لقبول الأعمال، ورفع الصّوت فوق صوته موجبًا لحبوطها؟
ومن الأدب معه: أن لا يُجعَل دعاؤه كدعاء غيره. قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾[النور: ٦٣]. وفيه قولان للمفسِّرين٢.
أحدهما: أنّكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا رسولَ الله، يا نبيَّ الله. فعلى هذا: المصدر مضافٌ إلى المفعول، أي دعاءكم الرّسولَ.
والثّاني: أنّ المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا، إن شاء أجاب، وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بدٌّ من إجابته، ولم يَسَعْكم التّخلُّفُ عنها البتّةَ. فعلى هذا: المصدر مضافٌ إلى الفاعل. أي دعاءَه إيّاكم.
ومن الأدب معه: أنّهم إذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ ــ من خطبةٍ أو جهاد
(١) لم أجده في المصادر التي رجعت إليها.
(٢) وفيه قول ثالث ضعيف: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه عليكم موجب لنزول البلاء بكم، ليس كدعاء غيره. انظر هذه الأقوال في «زاد المسير» (٦/ ٦٨)، و«تفسير الطبري» (١٧/ ٣٨٨، ٣٨٩)، و«تفسير البغوي» (٣/ ٣٥٩).