فما استُجْلِب خيرُ الدُّنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجْلِب حرمانُهما بمثل قلّة الأدب.
فانظر إلى الأدب مع الوالدين كيف نَجّى صاحبَه من حَبْس الغار حين أطبقَتْ عليهم الصّخرة؟٣ والإخلالُ به مع الأمِّ ــ تأويلًا وإقبالًا على الصّلاة ــ كيف امتحنَ صاحبَه بهدْمِ صَومعتِه، وضَرْبِ النّاس له، ورَمْيِه بالفاحشة؟٤.
وتأمّل أحوالَ كلِّ شقيٍّ ومُعَثَّرٍ٥ ومُدبرٍ٦: كيف تجد قلّة الأدب هو الذي سَاقَه إلى الحرمان؟
(١) «فللأكل آداب» ليست في ش، د.
(٢) «وللبول آداب» ليست في ش، د.
(٣) كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة عند البخاري (٢٢١٥، ٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) كما في قصة جريج الراهب التي أخرجها البخاري (٣٤٣٦) ومسلم (٢٥٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) هو الذي تَعِس جَدُّه وعَثَر به الزمان. وفي المطبوع: «مغتر»، تصحيف.
(٦) هو الذي أمره في إدبار. من أدبر القومُ: ولَّى أمرهم. فهو مثل الشقي والمعثر.
وانظر قلّة أدب عَوفٍ مع خالدٍ: كيف حَرَمَه السّلَبَ بعد أن بَرَدَ بيديه؟١.
وانظر أدب الصِّدِّيق ﵁ وأرضاه مع النّبيِّ ﷺ في الصّلاة: أن يتقدّم بين يديه، وقال: «ما كان ينبغي لابن أبي قُحافة أن يتقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ»٢، كيف أورثه مقامَه والإمامةَ بالأمّة بعده؟ فكان ذلك التّأخُّر إلى خلفِه ــ وقد أومأ إليه أن اثبُتْ مكانَك ــ جَمْزًا وسعيًا إلى قُدَّام، بكلِّ خطوةٍ إلى وراء مراحلَ إلى قُدَّام تنقطعُ فيها أعناقُ المطيِّ.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (الأدب: حفظ الحدِّ بين الغلوِّ والجفاء، بمعرفة ضرر العدوان).
هذا من أحسن الحدود، فإنّ الانحراف إلى أحد طرفي الغلوِّ والجفاء هو قلّة الأدب. والأدب: الوقف في الوسط بين الطّرفين، فلا يُقصِّر بحدود الشّرع عن تمامها، ولا يتجاوز بها ما٤ جُعِلتْ حدودًا له، فكلاهما عدوانٌ، والله لا يحبُّ المعتدين. والعدوان هو سوء الأدب.
وقال بعض السّلف: دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه٥.
(١) بَرَد بيديه: أي مات المقتولُ بسببه فاستحقَّ القاتل سَلَبه. وقصة عوف بن مالك مع خالد بن الوليد ﵄ أخرجها مسلم (١٧٥٣) من حديث عوف ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٤، ١٢١٨) ومسلم (٤٢١) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٣) (ص ٥٢).
(٤) «ما» ليست في ش، د.
(٥) رواه الدارمي (٢٢٢) والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٧٤٣) عن الحسن البصري بنحوه.