وانظر قلّة أدب عَوفٍ مع خالدٍ: كيف حَرَمَه السّلَبَ بعد أن بَرَدَ بيديه؟١.
وانظر أدب الصِّدِّيق ﵁ وأرضاه مع النّبيِّ ﷺ في الصّلاة: أن يتقدّم بين يديه، وقال: «ما كان ينبغي لابن أبي قُحافة أن يتقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ»٢، كيف أورثه مقامَه والإمامةَ بالأمّة بعده؟ فكان ذلك التّأخُّر إلى خلفِه ــ وقد أومأ إليه أن اثبُتْ مكانَك ــ جَمْزًا وسعيًا إلى قُدَّام، بكلِّ خطوةٍ إلى وراء مراحلَ إلى قُدَّام تنقطعُ فيها أعناقُ المطيِّ.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (الأدب: حفظ الحدِّ بين الغلوِّ والجفاء، بمعرفة ضرر العدوان).
هذا من أحسن الحدود، فإنّ الانحراف إلى أحد طرفي الغلوِّ والجفاء هو قلّة الأدب. والأدب: الوقف في الوسط بين الطّرفين، فلا يُقصِّر بحدود الشّرع عن تمامها، ولا يتجاوز بها ما٤ جُعِلتْ حدودًا له، فكلاهما عدوانٌ، والله لا يحبُّ المعتدين. والعدوان هو سوء الأدب.
وقال بعض السّلف: دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه٥.
(١) بَرَد بيديه: أي مات المقتولُ بسببه فاستحقَّ القاتل سَلَبه. وقصة عوف بن مالك مع خالد بن الوليد ﵄ أخرجها مسلم (١٧٥٣) من حديث عوف ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٤، ١٢١٨) ومسلم (٤٢١) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٣) (ص ٥٢).
(٤) «ما» ليست في ش، د.
(٥) رواه الدارمي (٢٢٢) والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٧٤٣) عن الحسن البصري بنحوه.
فإضاعة الأدب بالجفاء: كمن لم يُكمِل أعضاء الوضوء، ولم يُوفِّ الصّلاةَ آدابَها التي سَنَّها رسول الله ﷺ وفعَلَها، وهي قريبٌ من مائة أدبٍ ما بين واجبٍ ومستحبٍّ.
وإضاعته بالغلوِّ: كالوسوسة في عقد النِّيّة، ورفع الصّوت بها، والجهر بالأذكار والدّعوات التي شُرِعت سرًّا، وتطويل ما السُّنّة تخفيفُه وحَذْفه: كالتّشهُّد الأوّل والسّلام الذي حذفه سنّةٌ، وزيادة التّطويل على ما فعله رسول الله ﷺ، لا على ما يظنُّه سُرَّاق الصّلاة والنَّقَّارون لها ويشتهونه، فإنّ النّبيّ ﷺ لم يكن ليأمر بأمرٍ ويخالفه، وقد صانه الله من ذلك. وكان يأمرهم بالتّخفيف ويؤمُّهم بالصّافّات١، ويأمرهم بالتّخفيف وتُقام صلاة الظُّهر فيذهب الذّاهب إلى البقيع، فيقضي حاجتَه ويأتي أهله ويتوضّأ، ويدرك رسول الله ﷺ في الرّكعة الأولى٢. فهذا هو التّخفيف الذي أمر به، لا نَقْر الصّلاة وسرقتُها، ذاك اختصارٌ بل اقتصارٌ على ما يقع عليه الاسم ويُسمَّى به مصلِّيًا، وهو كأكل المضطرِّ في المَخْمصة ما يَسُدُّ به رَمَقَه، فليتَه شَبِعَ على القول الآخر، وهو كجائعٍ قُدِّم إليه طعامٌ لذيذٌ جدًّا، فأكل منه لقمةً أو لقمتين، فماذا تُغنِيان عنه؟ ولكن لو أحسّ بجوعه لما قام عن الطّعام حتّى يَشْبَع منه وهو يقدر على ذلك، لكنّ القلب شَبْعانُ من شيءٍ آخر.
ومثال هذا التّوسُّط في حقِّ الأنبياء ﵈: أن لا يغلُوَ فيهم كما
(١) كما في حديث ابن عمر الذي أخرجه أحمد (٤٧٩٦، ٤٩٨٩) والنسائي (٨٢٦). وصححه ابن خزيمة (١٦٠٦) وابن حبان (١٨١٧).
(٢) أخرجه أحمد (١١٣٠٧) والنسائي (٩٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري. وإسناده صحيح.