مدارج السالكين

حدٍّ يأمن معه العقوبة، فإنّه لا يأمنُ مكرَ الله إلّا القوم الخاسرون. وهذا انحرافٌ في الطّرف الآخر.

بل حدُّ الرّجاء: ما طيَّبَ لك العبادة، وحملَك على السّير. فهو بمنزلة الرِّياح التي تُسيِّر السّفينة، فإذا انقطعت وقفت١ السّفينة، وإذا زادتْ ألقتْها إلى المهالك، وإذا كانت بقدرٍ أوصلَتْ إلى البُغْية.

وأمّا (ضبط السُّرور أن يخرج إلى مشابهة الجرأة): فلا يقدر عليه إلّا الأقوياء أرباب العزائم، الذين لا تَستفِزُّهم السَّرّاء فتغلب شكْرَهم، ولا تُضعِفهم الضّرّاء فتغلب صبْرَهم، كما قيل٢:

لا تَغلِبُ السَّرّاءُ منهم شُكْرَهمكلّا ولا الضَّرّاء صبْرَ الصّابر

والنّفس قرينة الشّيطان ومُصاحِبته، وتُشبِهه في صفاته. ومواهبُ الرّبِّ ﵎ تَنزِل على القلب والرُّوح، والنّفس تَسترِقُ السّمعَ، فإذا نزلت على القلب تلك المواهب وَثَبَتْ لتأخذ قِسْطَها منها، وتُصيِّره من عُدَّتها وحواصلها. فالمسترسلُ معها الجاهلُ بها يدَعُها تستوفي ذلك، فبينا هو موهبةٌ للقلب والرُّوح وعدّةٌ وقوّةٌ له، إذ صار ذلك كلُّه من حاصل النّفس وآلتها وعُدَدِها، فصالتْ به وطَغَتْ، لأنّها رأتْ غِناها به. والإنسان يَطغى أن رآه استغنى بالمال، فكيف بما هو أعظمُ خَطَرًا وأجلُّ قدرًا من المال، بما لا نسبة بينهما: من علمٍ أو حالٍ أو معرفةٍ أو كشفٍ؟ فإذا صار ذلك من حاصلِها انحرفَ العبد به ولا بدَّ إلى طرفٍ مذمومٍ: من جُرأةٍ أو شَطْحٍ أو إدلالٍ ونحو ذلك

  1. (١) ش، د: «وقعت».
  2. (٢) لم أجد البيت فيما رجعت إليه من مصادر.
166

وللهِ كم هاهنا من قتيلٍ وسَلِيبٍ وحَرِيبٍ١ يقول: من أين أُتِيتُ؟ ومن أين دُهِيتُ؟ من أين أُصِبتُ؟ وأقلُّ ما يُعاقَب به من الحرمان بذلك: أن يُغلَق عنه باب المزيد. ولهذا العارفون وأرباب البصائر إذا نالوا شيئًا من ذلك انحرفوا إلى طرفِ الذُّلِّ والانكسار، ومطالعةِ عيوب النّفس، واستدْعَوا حارسَ الخوف، وحافظوا على الرِّباط بملازمة الثَّغر بين القلب وبين النّفس، ونظروا إلى أقرب الخلق إلى الله، وأكرمِهم عليه، وأدناهم منه وسيلةً، وأعظمهم عنده جاهًا. وقد دخل مكّة يومَ الفتح وذَقَنُه تَمَسُّ قَرَبُوسَ سَرْجِه٢ انخفاضًا وانكسارًا، وتواضعًا لربِّه تعالى٣ في مثل تلك٤ الحال، التي عادةُ النُّفوس البشريّة فيها أن يملِكها سرورُها وفرحُها بالنّصر والظّفر والتّأييد، ويرفعها إلى عَنان السّماء.

فالرّجل من صانَ فتحَه ونصيبَه من الله وواردَه عن استراق نفسه، وبخِلَ عليها به، والعاجز من جاد لها به. فيا له من جودٍ ما أقبحَه! وسماحةٍ ما أسفَهَ صاحِبَها! والله المستعان.

فصل

قال٥: (الدّرجة الثّانية: الخروج من الخوف إلى ميدان القبض،

  1. (١) الحريب: الذي أُخذ جميع ماله.
  2. (٢) السَّرْج: رَحْل الدابة. والقربوس: حِنْو السّرْج، وهما قربوسان: متقدم السرج ومؤخره.
  3. (٣) انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٠٥)، و«دلائل النبوة» (٥/ ٦٨)، و«زاد المعاد» (٣/ ٥٩٢).
  4. (٤) ل، د: «ذلك».
  5. (٥) «المنازل» (ص ٥٣).
167

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي