وللهِ كم هاهنا من قتيلٍ وسَلِيبٍ وحَرِيبٍ١ يقول: من أين أُتِيتُ؟ ومن أين دُهِيتُ؟ من أين أُصِبتُ؟ وأقلُّ ما يُعاقَب به من الحرمان بذلك: أن يُغلَق عنه باب المزيد. ولهذا العارفون وأرباب البصائر إذا نالوا شيئًا من ذلك انحرفوا إلى طرفِ الذُّلِّ والانكسار، ومطالعةِ عيوب النّفس، واستدْعَوا حارسَ الخوف، وحافظوا على الرِّباط بملازمة الثَّغر بين القلب وبين النّفس، ونظروا إلى أقرب الخلق إلى الله، وأكرمِهم عليه، وأدناهم منه وسيلةً، وأعظمهم عنده جاهًا. وقد دخل مكّة يومَ الفتح وذَقَنُه تَمَسُّ قَرَبُوسَ سَرْجِه٢ انخفاضًا وانكسارًا، وتواضعًا لربِّه تعالى٣ في مثل تلك٤ الحال، التي عادةُ النُّفوس البشريّة فيها أن يملِكها سرورُها وفرحُها بالنّصر والظّفر والتّأييد، ويرفعها إلى عَنان السّماء.
فالرّجل من صانَ فتحَه ونصيبَه من الله وواردَه عن استراق نفسه، وبخِلَ عليها به، والعاجز من جاد لها به. فيا له من جودٍ ما أقبحَه! وسماحةٍ ما أسفَهَ صاحِبَها! والله المستعان.
فصل
قال٥: (الدّرجة الثّانية: الخروج من الخوف إلى ميدان القبض،
والصُّعود١ من الرّجاء إلى ميدان البسط، ثمّ التّرقِّي عن السُّرور إلى ميدان المشاهدة).
ذكر في الدّرجة الأولى: كيف يحفظ الحدَّ بين المقامات، حتّى لا يتعدّى إلى غلوٍّ أو جفاءٍ، وذلك سوء أدبٍ.
فذكر منْعَ الخوف أن يُخرِجه إلى الإياس، والرّجاء أن يُخرِجه إلى الأمن، والسُّرور أن يُخرِجه إلى الجرأة.
ثمّ ذكر في هذه الدّرجة: أدب التّرقِّي من هذه الثّلاثة إلى ما يحفظها عليه، ولا يُضيِّعها بالكلِّيّة. كما أنه في الدّرجة الأولى لا يبالغ به، بل يكون خروجه من الخوف إلى القبض، يعني لا يزايل الخوف بالكلِّيّة، فإنّ قبْضَه٢ لا يُؤيِسه ولا يُقنِّطه، ولا يَحمِله على مخالفةٍ ولا بَطالةٍ٣. وكذلك رجاؤه لا يقعدُ به عن ميدان البسط، بل يكون بين القبض والبسط، وهذه حال٤ الكمال، وهي السَّير بين القبض والبسط. وسرورُه لا يُقصِّر به عن ترقِّيه إلى ميدان مشاهدته، بل يَرقى بسروره إلى المشاهدة، ويرجع من رجائه إلى البسط، ومن خوفه إلى القبض.
ومقصوده: أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها، فإنّ الخوف شَبَحٌ، والقبض روحه. والرّجاء شَبَحٌ، والبسط روحه. والسُّرور شَبَحٌ،