مدارج السالكين

والصُّعود١ من الرّجاء إلى ميدان البسط، ثمّ التّرقِّي عن السُّرور إلى ميدان المشاهدة).

ذكر في الدّرجة الأولى: كيف يحفظ الحدَّ بين المقامات، حتّى لا يتعدّى إلى غلوٍّ أو جفاءٍ، وذلك سوء أدبٍ.

فذكر منْعَ الخوف أن يُخرِجه إلى الإياس، والرّجاء أن يُخرِجه إلى الأمن، والسُّرور أن يُخرِجه إلى الجرأة.

ثمّ ذكر في هذه الدّرجة: أدب التّرقِّي من هذه الثّلاثة إلى ما يحفظها عليه، ولا يُضيِّعها بالكلِّيّة. كما أنه في الدّرجة الأولى لا يبالغ به، بل يكون خروجه من الخوف إلى القبض، يعني لا يزايل الخوف بالكلِّيّة، فإنّ قبْضَه٢ لا يُؤيِسه ولا يُقنِّطه، ولا يَحمِله على مخالفةٍ ولا بَطالةٍ٣. وكذلك رجاؤه لا يقعدُ به عن ميدان البسط، بل يكون بين القبض والبسط، وهذه حال٤ الكمال، وهي السَّير بين القبض والبسط. وسرورُه لا يُقصِّر به عن ترقِّيه إلى ميدان مشاهدته، بل يَرقى بسروره إلى المشاهدة، ويرجع من رجائه إلى البسط، ومن خوفه إلى القبض.

ومقصوده: أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها، فإنّ الخوف شَبَحٌ، والقبض روحه. والرّجاء شَبَحٌ، والبسط روحه. والسُّرور شَبَحٌ،

  1. (١) ش، د: «والقعود».
  2. (٢) «فإن قبضه» ليست في ل.
  3. (٣) ل: «ولا يطالبه».
  4. (٤) ل: «حالة».
168

والمشاهدة روحه. فيكون حظُّه من هذه الثّلاثة أرواحَها وحقائقَها، لا صُوَرها ورسومها.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: معرفة الأدب، ثمّ الفناء عن التّأدُّب بتأديب الحقِّ، ثمّ الخلاصُ من شهود أَعباءِ الأدب).

قوله: (معرفة الأدب).

يعني: لا بدَّ من الاطِّلاع على حقيقته في كلِّ درجةٍ. وإنّما يكون ذلك في الدّرجة الثّالثة، فإنّه يُشرِف منها على الأدب في الدّرجتين الأوليين. فإذا عرفه وصار له حالًا فإنّه ينبغي له أن يفنى عنه، بأن يغلب عليه شهودُ من أقامه فيه، فينسبه إليه تعالى دونَ نفسه، ويفنى عن رؤية نفسه وقيامِها بالأدب بشهود الفضلِ لمن أقامه فيه ومِنَّتهِ. فهذا هو «الفناء عن التّأدُّب بتأديب الحقِّ».

وقوله: (ثمّ الخلاص من شهود أعباء الأدب).

يعني: أنّه يفنى عن مشاهدة الأدب بالكلِّيّة، لاستغراقه في شهود الحقيقة في حضرة الجَمْع التي غيَّبتْه عن الأدب. ففناؤه عن الأدب فيها هو الأدب حقيقةً. فيستريح حينئذٍ من كُلْفة حمْلِ أعباء الأدب وأثقاله، لأنّ استغراقه في شهود الحقيقة لم يُبقِ عليه شيئًا من أعباء الأدب.

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٣).
169

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي