مدارج السالكين

والمشاهدة روحه. فيكون حظُّه من هذه الثّلاثة أرواحَها وحقائقَها، لا صُوَرها ورسومها.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: معرفة الأدب، ثمّ الفناء عن التّأدُّب بتأديب الحقِّ، ثمّ الخلاصُ من شهود أَعباءِ الأدب).

قوله: (معرفة الأدب).

يعني: لا بدَّ من الاطِّلاع على حقيقته في كلِّ درجةٍ. وإنّما يكون ذلك في الدّرجة الثّالثة، فإنّه يُشرِف منها على الأدب في الدّرجتين الأوليين. فإذا عرفه وصار له حالًا فإنّه ينبغي له أن يفنى عنه، بأن يغلب عليه شهودُ من أقامه فيه، فينسبه إليه تعالى دونَ نفسه، ويفنى عن رؤية نفسه وقيامِها بالأدب بشهود الفضلِ لمن أقامه فيه ومِنَّتهِ. فهذا هو «الفناء عن التّأدُّب بتأديب الحقِّ».

وقوله: (ثمّ الخلاص من شهود أعباء الأدب).

يعني: أنّه يفنى عن مشاهدة الأدب بالكلِّيّة، لاستغراقه في شهود الحقيقة في حضرة الجَمْع التي غيَّبتْه عن الأدب. ففناؤه عن الأدب فيها هو الأدب حقيقةً. فيستريح حينئذٍ من كُلْفة حمْلِ أعباء الأدب وأثقاله، لأنّ استغراقه في شهود الحقيقة لم يُبقِ عليه شيئًا من أعباء الأدب.

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٣).
169

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة اليقين. وهو من الإيمان بمنزلة الرُّوح من الجسد، وفيه تفاضل العارفون، وفيه تنافسَ المتنافسون، وإليه شَمَّر العاملون، وعملُ القوم إنّما كان عليه، وإشارتهم كلُّها إليه. وإذا تزوّج الصّبرُ باليقين وُلِد بينهما حصولُ الإمامة في الدِّين. قال تعالى وبقوله يهتدي المؤمنون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].

وخصّ سبحانه أهلَ اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠].

وخصّ أهلَ اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين١، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥].

وأخبر عن أهل النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل اليقين، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].

فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصِّدِّيقيّة، وهو قطبُ رَحَا هذا الشّأن الذي عليه مداره.

  1. (١) ل: «العاملين».
170

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي