مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة اليقين. وهو من الإيمان بمنزلة الرُّوح من الجسد، وفيه تفاضل العارفون، وفيه تنافسَ المتنافسون، وإليه شَمَّر العاملون، وعملُ القوم إنّما كان عليه، وإشارتهم كلُّها إليه. وإذا تزوّج الصّبرُ باليقين وُلِد بينهما حصولُ الإمامة في الدِّين. قال تعالى وبقوله يهتدي المؤمنون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].

وخصّ سبحانه أهلَ اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠].

وخصّ أهلَ اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين١، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥].

وأخبر عن أهل النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل اليقين، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].

فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصِّدِّيقيّة، وهو قطبُ رَحَا هذا الشّأن الذي عليه مداره.

  1. (١) ل: «العاملين».
170

وروى خالد بن يزيد عن السُّفيانين عن التَّيميِّ١ عن خَيثمة عن عبد الله٢ عن النّبيِّ ﷺ قال: «لا تُرضِينَّ أحدًا بسَخَطِ الله، ولا تَحْمدنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تَذُمَّنَّ أحدًا على ما لم يُؤتِك الله. فإنّ رِزْقَ٣ الله لا يَسُوقه حِرصُ حريصٍ، ولا يَرُدُّه عنك كراهيةُ كارهٍ، وإنّ الله بعدله وقسطِه جعلَ الرُّوحَ والفرحَ في الرِّضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزنَ في الشّكِّ والسّخط»٤.

واليقين قرين التّوكُّل، ولهذا فُسِّر التّوكُّل بقوّة اليقين.

والصّواب: أنّ التّوكُّل ثمرته ونتيجته، ولهذا حَسُن اقتران الهدى به.

قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]. فالحقُّ هو اليقين. وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبْلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢].

ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ به نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كلُّ ريبٍ وشكٍّ وسخطٍ وهمٍّ وغمٍّ. فامتلأ محبّةً لله، وخوفًا منه، ورضًا به،

  1. (١) كذا في الأصول وفي عامة نسخ «الرسالة القشيرية» وهي مصدر المؤلف. والصواب أنه «سليمان الأعمش» كما في مصادر التخريج.
  2. (٢) «عن عبد الله» ليست في ش، د.
  3. (٣) ش، د: «ما رزقك».
  4. (٤) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢١٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٢١، ٧/ ١٣٠)، والبيهقي في «الأربعين الصغرى» (٥١)، والقشيري في «الرسالة» (ص ٤٣١)، وخالد بن يزيد متهم بالوضع. ورُوي من وجهٍ آخر أحسن منه إلا أن فيه انقطاعًا، أخرجه البيهقي في «الشعب» (٢٠٤)، و«الأربعين» (٥٠). ورواه أيضًا (٢٠٥) موقوفًا على ابن مسعود، وهو أشبه.
171

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي