مدارج السالكين

وقال أبو بكر بن طاهرٍ: العلم يعارضُه الشُّكوك، واليقين لا شكَّ فيه١.

وعند القوم: اليقين لا يساكن قلبًا فيه سكونٌ إلى غير الله٢.

وقال ذو النُّون ﵀: اليقين يدعو إلى قِصَر الأمل، وقِصَرُ الأمل يدعو إلى الزُّهد، والزُّهد يُورِث الحكمة، وهي٣ تُورِث النّظر في العواقب٤.

قال: وثلاثةٌ من أعلام اليقين: قلّة مخالطة النّاس في العِشْرة، وتركُ المدح لهم في العطيّة٥، والتّنزُّه٦ عن ذمِّهم عند المنع. وثلاثةٌ من أعلامه أيضًا: النّظر إلى الله في كلِّ شيءٍ، والرُّجوع إليه في كلِّ أمرٍ، والاستعانة به في كلِّ حالٍ٧.

وقال الجنيد ﵀: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يُحوَّل ولا يتغيَّر في القلب٨.

وقال ابن عطاءٍ ﵀: على قَدْرِ قُربهم من التّقوى أدركوا من اليقين. وأصل التّقوى مباينة النّهي، وهو مباينة النّفس، فعلى قدر مفارقتهم النّفس

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٢).
  2. (٢) نحوه عن سهل بن عبد الله في «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٣)، و«الزهد» للخطيب (٩)، و«ذم الهوى» (ص ٧٨).
  3. (٣) د: «وهو».
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٣)، و«تهذيب الأسرار» للخركوشي (ص ١٤١).
  5. (٥) ل: «الغبطة»، تحريف.
  6. (٦) ل: «والنفرة».
  7. (٧) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٣، ٤٣٤)، و«الزهد الكبير» للبيهقي (٩٨٠).
  8. (٨) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٤)، و«طبقات الشافعية» للسبكي (٢/ ٢٦٤).
173

وصلوا إلى اليقين١.

وقيل: اليقين هو المكاشفة. وهي على ثلاثة أوجهٍ: مكاشفةٌ في الأخبار، ومكاشفةٌ بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان٢.

ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشّيء للقلب بحيث تصير نسبتُه إليه كنسبة المرئيِّ إلى العين، فلا يبقى معك شكٌّ ولا ريبٌ أصلًا. وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان.

وقد يريدون بها أمرًا آخر، وهو ما يراه أحدهم في برزخٍ بين النّوم واليقظة عند أوائل تجرُّد الرُّوح عن البدن.

ومن أشار منهم إلى غير هذين فقد غَلِط ولُبِّس عليه.

وقال السَّرِيُّ: اليقين سكونُك عند جولانِ الموارد٣ في صدرك، لتيقُّنِك أنّ حركتك فيها لا تنفعك، ولا تردُّ عنك مَقضِيًّا٤.

وقال أبو بكرٍ الورّاق ﵀: اليقين مِلاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرِف الله، وبالعقل عُقِل عن الله٥.

وقال الجنيد ﵀: قد مشى رجالٌ باليقين على الماء، ومات بالعطش

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٤). وهو لسهل بن عبد الله في «حلية الأولياء» (١٠/ ١٩٩).
  2. (٢) المصدر نفسه (ص ٤٣٤).
  3. (٣) ش، د: «الوارد».
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٥).
  5. (٥) المصدر نفسه (ص ٤٣٥).
174

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي