وقيل: اليقين هو المكاشفة. وهي على ثلاثة أوجهٍ: مكاشفةٌ في الأخبار، ومكاشفةٌ بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان٢.
ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشّيء للقلب بحيث تصير نسبتُه إليه كنسبة المرئيِّ إلى العين، فلا يبقى معك شكٌّ ولا ريبٌ أصلًا. وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان.
وقد يريدون بها أمرًا آخر، وهو ما يراه أحدهم في برزخٍ بين النّوم واليقظة عند أوائل تجرُّد الرُّوح عن البدن.
ومن أشار منهم إلى غير هذين فقد غَلِط ولُبِّس عليه.
وقال السَّرِيُّ: اليقين سكونُك عند جولانِ الموارد٣ في صدرك، لتيقُّنِك أنّ حركتك فيها لا تنفعك، ولا تردُّ عنك مَقضِيًّا٤.
وقال أبو بكرٍ الورّاق ﵀: اليقين مِلاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرِف الله، وبالعقل عُقِل عن الله٥.
وقال الجنيد ﵀: قد مشى رجالٌ باليقين على الماء، ومات بالعطش
(١) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٤). وهو لسهل بن عبد الله في «حلية الأولياء» (١٠/ ١٩٩).
(٢) المصدر نفسه (ص ٤٣٤).
(٣) ش، د: «الوارد».
(٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٥).
(٥) المصدر نفسه (ص ٤٣٥).
من هو أفضلُ منهم يقينًا١.
وقد اختلف في تفضيل اليقين على الحضور أو الحضور على اليقين.
فقيل: الحضور أفضل، لأنّه وَطَناتٌ، واليقين خَطَراتٌ٢. وبعضهم رجّح اليقين، وقال: هو غاية الإيمان. والأوّل رأى أنّ اليقين ابتداء الحضور، فكأنّه جعل اليقين ابتداءً، والحضور دوامًا.
وهذا الخلاف لا يتبيّن، فإنّ اليقين لا ينفكُّ عن الحضور، ولا الحضور عن اليقين. بلى في اليقين من زيادة الإيمان، ومعرفة تفاصيله وشُعَبه٣، وتنزيلِها منازلَها= ما ليس في الحضور، فهو أكملُ منه من هذا الوجه. وفي الحضور من الجمعيّة، وعدمِ التّفرقة، والدُّخولِ في الفناء= ما قد ينفكُّ عنه اليقين. فاليقين أخصُّ بالمعرفة، والحضور أخصُّ بالإرادة. والله أعلم.
وقال النَّهرَجُوريُّ ﵀: إذا استكمل العبد حقائقَ اليقين صار البلاء عنده نعمةً، والرّخاء٤ مصيبةً٥.
وقال أبو بكرٍ الورّاق ﵀: اليقين على ثلاثة أوجهٍ: يقين خبرٍ، ويقين دلالةٍ، ويقين مشاهدةٍ٦.
(١) المصدر نفسه (ص ٤٣٦). و«طبقات الصوفية» للسلمي (ص ١٦٣).
(٢) قاله علي بن سهل، كما في «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٥)، و«طبقات الصوفية» (ص ٢٣٤).