وقد اختلف في تفضيل اليقين على الحضور أو الحضور على اليقين.
فقيل: الحضور أفضل، لأنّه وَطَناتٌ، واليقين خَطَراتٌ٢. وبعضهم رجّح اليقين، وقال: هو غاية الإيمان. والأوّل رأى أنّ اليقين ابتداء الحضور، فكأنّه جعل اليقين ابتداءً، والحضور دوامًا.
وهذا الخلاف لا يتبيّن، فإنّ اليقين لا ينفكُّ عن الحضور، ولا الحضور عن اليقين. بلى في اليقين من زيادة الإيمان، ومعرفة تفاصيله وشُعَبه٣، وتنزيلِها منازلَها= ما ليس في الحضور، فهو أكملُ منه من هذا الوجه. وفي الحضور من الجمعيّة، وعدمِ التّفرقة، والدُّخولِ في الفناء= ما قد ينفكُّ عنه اليقين. فاليقين أخصُّ بالمعرفة، والحضور أخصُّ بالإرادة. والله أعلم.
وقال النَّهرَجُوريُّ ﵀: إذا استكمل العبد حقائقَ اليقين صار البلاء عنده نعمةً، والرّخاء٤ مصيبةً٥.
وقال أبو بكرٍ الورّاق ﵀: اليقين على ثلاثة أوجهٍ: يقين خبرٍ، ويقين دلالةٍ، ويقين مشاهدةٍ٦.
(١) المصدر نفسه (ص ٤٣٦). و«طبقات الصوفية» للسلمي (ص ١٦٣).
(٢) قاله علي بن سهل، كما في «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٥)، و«طبقات الصوفية» (ص ٢٣٤).
(٣) ش، د: «وسعته».
(٤) ل: «والرجاء»، تصحيف.
(٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٦).
(٦) المصدر نفسه (ص ٤٣٦).
يريد بيقين الخبر: سكونَ القلب إلى خبر المخبر ووثوقَه به، وبيقين الدّلالة: ما هو فوقه، وهو أن يُقِيم له ــ مع وثوقه بصدقه ــ الأدلّة الدّالّة١ على ما أخبر به.
وهذا كعامّة أخبار الإيمان والتّوحيد في القرآن، فإنّه سبحانه ــ مع كونه أصدق الصّادقين ــ يقيم لعباده الأدلّة٢ والأمثال والبراهين على صدق أخباره، فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدّليل. فيرتفعون من ذلك إلى الدّرجة الثّالثة، وهي يقين المكاشفة، بحيث يصير المُخبَر به لقلوبهم كالمرئيِّ لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذٍ إلى القلب كنسبة المرئيِّ إلى العين. وهذا أعلى أنواع المكاشفة، وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيسٍ في قوله: لو كُشِف الغطاء ما ازددتُ يقينًا٣. وليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ولا من قول عليٍّ، كما يظنُّه من لا علمَ له بالمنقولات٤.
وقال بعضهم: رأيت الجنّة والنّار حقيقةً. قيل له: كيف؟ قال: رأيتهما٥ بعيني رسول الله ﷺ. ورؤيتي لهما بعينيه أوثقُ عندي من رؤيتي لهما بعيني،
(١) ل: «الدلالة».
(٢) ل: «الدلالة».
(٣) تقدم قريبًا.
(٤) نُسِب هذا إلى علي في «الذريعة إلى مكارم الشريعة» (ص ١٤٩)، و«طبقات السبكي» (٦/ ٦١)، و«وفيات الأعيان» (٧/ ٣٤٤). ونُسِب إلى أبي بكر في «الآداب الشرعية» (١/ ٢٩٥).