مدارج السالكين

يريد بيقين الخبر: سكونَ القلب إلى خبر المخبر ووثوقَه به، وبيقين الدّلالة: ما هو فوقه، وهو أن يُقِيم له ــ مع وثوقه بصدقه ــ الأدلّة الدّالّة١ على ما أخبر به.

وهذا كعامّة أخبار الإيمان والتّوحيد في القرآن، فإنّه سبحانه ــ مع كونه أصدق الصّادقين ــ يقيم لعباده الأدلّة٢ والأمثال والبراهين على صدق أخباره، فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدّليل. فيرتفعون من ذلك إلى الدّرجة الثّالثة، وهي يقين المكاشفة، بحيث يصير المُخبَر به لقلوبهم كالمرئيِّ لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذٍ إلى القلب كنسبة المرئيِّ إلى العين. وهذا أعلى أنواع المكاشفة، وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيسٍ في قوله: لو كُشِف الغطاء ما ازددتُ يقينًا٣. وليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ولا من قول عليٍّ، كما يظنُّه من لا علمَ له بالمنقولات٤.

وقال بعضهم: رأيت الجنّة والنّار حقيقةً. قيل له: كيف؟ قال: رأيتهما٥ بعيني رسول الله ﷺ. ورؤيتي لهما بعينيه أوثقُ عندي من رؤيتي لهما بعيني،

  1. (١) ل: «الدلالة».
  2. (٢) ل: «الدلالة».
  3. (٣) تقدم قريبًا.
  4. (٤) نُسِب هذا إلى علي في «الذريعة إلى مكارم الشريعة» (ص ١٤٩)، و«طبقات السبكي» (٦/ ٦١)، و«وفيات الأعيان» (٧/ ٣٤٤). ونُسِب إلى أبي بكر في «الآداب الشرعية» (١/ ٢٩٥).
  5. (٥) ل: «رأيتها».
176

فإنّ بصري قد يُخطئ ويَزِيغ، بخلاف بصره ﷺ١.

واليقين يحمل على الأهوال وركوب الأخطار، وهو يأمر بالتّقدُّم دائمًا، فإن لم يقارِنْه العلم حمل على المعاطب٢.

والعلم يأمر بالتّأخُّر والإحجام، فإن لم يصحبه اليقين قعدَ بصاحبه عن المكاسب والغنائم.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (اليقين: مركَبُ الآخذ في هذه الطّريق، وهو غاية درجات العامّة، وقيل: أوّل خطوةِ الخاصَّة).

لمّا كان اليقين هو الذي يحمل السّائر إلى الله ــ كما قال أبو سعيدٍ الخرّاز: العلم ما استعمَلَك، واليقين ما حمَلَك٤ ــ سمّاه مركَبًا يركبه السّائر إلى الله، فإنّه لولا اليقين ما سار ركبٌ إلى الله، ولا ثبتتْ لأحدٍ قدمٌ في السُّلوك. وإنّما جعله آخر درجات العامّة لأنّهم إليه ينتهون.

ثمّ حكى قول من قال: «إنّه أوّل خطوةِ الخاصّة».

يعني: أنّه ليس بمقامٍ لهم، وإنّما هو مبدأٌ لسلوكهم، فمنه يبتدئون سلوكهم وسيرهم. وهذا لأنّ الخاصّة عنده سائرون إلى عين الجمع والفناء

  1. (١) لم أجده فيما بين يديَّ من مصادر.
  2. (٢) ل: «المطالب».
  3. (٣) (ص ٥٣).
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٧)، و«شعب الإيمان» (١٧٣٥).
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي