مدارج السالكين

فإنّ بصري قد يُخطئ ويَزِيغ، بخلاف بصره ﷺ١.

واليقين يحمل على الأهوال وركوب الأخطار، وهو يأمر بالتّقدُّم دائمًا، فإن لم يقارِنْه العلم حمل على المعاطب٢.

والعلم يأمر بالتّأخُّر والإحجام، فإن لم يصحبه اليقين قعدَ بصاحبه عن المكاسب والغنائم.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (اليقين: مركَبُ الآخذ في هذه الطّريق، وهو غاية درجات العامّة، وقيل: أوّل خطوةِ الخاصَّة).

لمّا كان اليقين هو الذي يحمل السّائر إلى الله ــ كما قال أبو سعيدٍ الخرّاز: العلم ما استعمَلَك، واليقين ما حمَلَك٤ ــ سمّاه مركَبًا يركبه السّائر إلى الله، فإنّه لولا اليقين ما سار ركبٌ إلى الله، ولا ثبتتْ لأحدٍ قدمٌ في السُّلوك. وإنّما جعله آخر درجات العامّة لأنّهم إليه ينتهون.

ثمّ حكى قول من قال: «إنّه أوّل خطوةِ الخاصّة».

يعني: أنّه ليس بمقامٍ لهم، وإنّما هو مبدأٌ لسلوكهم، فمنه يبتدئون سلوكهم وسيرهم. وهذا لأنّ الخاصّة عنده سائرون إلى عين الجمع والفناء

  1. (١) لم أجده فيما بين يديَّ من مصادر.
  2. (٢) ل: «المطالب».
  3. (٣) (ص ٥٣).
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٤٣٧)، و«شعب الإيمان» (١٧٣٥).
177

في شهود الحقيقة، لا تقف بهم دونها١ همّةٌ، ولا يُعرِّجون دونها على رسمٍ، فكلُّ ما دونها٢ فهو عندهم من مشاهد العامّة ومنازلهم ومقاماتهم، حتّى المحبّة. وحسبك بجعل اليقين نهايةً للعامّة، وبدايةً لهم.

قال٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: علم اليقين. وهو قبول ما ظهر من الحقِّ، وقبول ما غاب للحقِّ، والوقوف على ما قام بالحقِّ).

ذكر الشّيخ ﵀ في هذه الدّرجة ثلاثة أشياء هي متعلق اليقين وأركانه:

الأول: قبول ما ظهر من الحقِّ تعالى. والّذي ظهر منه سبحانه: أوامره ونواهيه، وشرعه ودينه الذي ظهر لنا منه على ألسنة رسله٤، فنتلقّاه بالقبول والانقياد، والإذعان والتّسليم للرُّبوبيّة، والدُّخول تحت رقِّ العبوديّة.

الثّاني: قبول ما غاب للحقِّ، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحقُّ٥ سبحانه على لسان رسله: من أمور المعاد وتفاصيله، والجنّة والنّار، وما قبل ذلك: من الصِّراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك: من تشقُّق السّماء وانفطارها، وانتثارِ الكواكب، ونسْفِ الجبال، وطَيِّ العالم، وما قبل ذلك: من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه.

فقبول هذا كلِّه ــ تصديقًا وإيمانًا وإيقانًا ــ هو اليقين، بحيث لا يخالج

  1. (١) ل: «دونهما».
  2. (٢) ل: «دونهما».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٥٣).
  4. (٤) في هامش ش: «صلوات الله وسلامه عليهم، سيما على سيّدهم».
  5. (٥) «الحق» ليست في ش، د.
178

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي